قد يكون التعرض لضوء الشمس الطبيعي في الصباح من العادات البسيطة التي تساعد على تنظيم الساعة البيولوجية وتحسين جودة النوم، وهما عاملان يرتبطان بصحة الدماغ ووظائفه الإدراكية. وفي هذا السياق، سلط طبيب الأعصاب البريطاني الدكتور نيل ك. شاه الضوء على أهمية بدء اليوم بالتعرض للضوء الطبيعي، بدلاً من الانشغال بالهواتف المحمولة والشاشات فور الاستيقاظ.
وبحسب تقرير نشره موقع «إرم نيوز»، أوضح شاه، في مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع، أن بعض كبار السن الذين يحافظون على قدراتهم الذهنية مع تقدم العمر يتبعون عادات يومية تساعدهم على دعم صحتهم العامة، مشيراً إلى أهمية الروتين الصباحي في تنظيم العمليات الحيوية المرتبطة بالنوم ووظائف الدماغ.
ضوء الشمس في الصباح.. ما أهميته للدماغ؟
ينصح شاه بالتعرض لضوء النهار خلال أول 30 دقيقة من الاستيقاظ، لمدة تقارب 10 دقائق، مع إمكانية زيادة المدة بحسب الظروف الجوية وشدة الإضاءة.
وتكمن أهمية هذه العادة في دور الضوء الطبيعي في تنظيم الساعة البيولوجية للجسم، والتأثير في إفراز هرمونات ترتبط بدورة النوم والاستيقاظ، مثل الميلاتونين، إلى جانب تنظيم إيقاع الكورتيزول الذي يساهم في الاستعداد للنشاط خلال النهار.
ويساعد التعرض للضوء الطبيعي في الصباح على تعزيز انتظام دورة النوم والاستيقاظ، ما قد ينعكس إيجاباً على التركيز واليقظة خلال النهار وجودة النوم ليلاً.
ولا يتطلب الأمر النظر مباشرة إلى الشمس، بل يكفي التعرض لضوء النهار في الخارج مع تجنب التحديق فيها، حفاظاً على سلامة العينين.
هل يؤدي استخدام الهاتف فور الاستيقاظ إلى الإضرار بالذاكرة؟
يحذر الطبيب من جعل تصفح الهاتف المحمول أول نشاط يومي بعد الاستيقاظ، ويدعو إلى تخصيص بعض الوقت للضوء الطبيعي قبل الانشغال بالشاشات.
ومع ذلك، لا توجد أدلة علمية كافية تثبت أن النظر إلى الهاتف فور الاستيقاظ يعطل مباشرة آليات حماية الدماغ أو يؤدي بحد ذاته إلى الإصابة بالخرف. وتكمن الفائدة الأكثر وضوحاً في تنظيم التعرض للضوء، والحفاظ على عادات نوم صحية، وتجنب السلوكيات التي قد تؤثر في الراحة الليلية.
ويؤدي النوم دوراً مهماً في وظائف الدماغ، إذ تشير الأبحاث إلى أن بعض عمليات التخلص من الفضلات الأيضية تتغير خلال النوم، وقد تشمل بروتينات ترتبط بأمراض التنكس العصبي، مثل مرض ألزهايمر. لكن لا يمكن الجزم بأن التعرض لضوء الشمس صباحاً يمنع تراكم هذه البروتينات أو يقي من الخرف بصورة مباشرة.
ماذا تقول الدراسات عن قضاء الوقت في الهواء الطلق؟
تشير بعض الدراسات الرصدية إلى وجود ارتباط بين قضاء الوقت في الهواء الطلق وانخفاض احتمالات الإصابة بالخرف، وإن كانت هذه النتائج لا تثبت أن التعرض للشمس هو السبب المباشر في هذا الانخفاض.
وفي هذا الإطار، أشار التقرير إلى دراسة واسعة نُشرت عام 2022 وشملت نحو 362 ألف مشارك من البنك الحيوي البريطاني، ووجدت ارتباطاً بين الوقت الذي يقضيه الأشخاص في الهواء الطلق صيفاً وشتاءً ومخاطر الإصابة بالخرف.
لكن تفسير هذه العلاقة يحتاج إلى الحذر، لأن قضاء الوقت في الخارج قد يرتبط بعوامل أخرى تؤثر في صحة الدماغ، مثل النشاط البدني، والتفاعل الاجتماعي، والحالة الصحية العامة، وجودة النوم.
فيتامين د وصحة الدماغ
يُعد فيتامين د من العناصر المهمة لصحة الجسم، ويمكن أن ينتجه الجلد عند تعرضه للأشعة فوق البنفسجية من النوع «ب» (UVB)، كما يمكن الحصول عليه من بعض الأطعمة والمكملات الغذائية.
ووفقاً للتقرير، أشارت أبحاث سابقة أجرتها جامعة إكستر إلى ارتفاع احتمالات الإصابة بالخرف لدى الأشخاص الذين يعانون نقصاً حاداً في هذا الفيتامين.
ومع ذلك، فإن وجود ارتباط بين نقص فيتامين د والخرف لا يعني بالضرورة أن تناول المكملات يمنع المرض، إذ لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد طبيعة العلاقة ومدى تأثير تصحيح النقص في الوظائف الإدراكية.
ويمكن الحصول على فيتامين د من مصادر غذائية، أبرزها الأسماك الدهنية وصفار البيض والأطعمة المدعمة. أما المكملات، فيُفضّل تناولها عند الحاجة وبناءً على التقييم الطبي، خصوصاً عند الاشتباه بوجود نقص.
علامات مبكرة تستدعي استشارة الطبيب
تؤكد هيئة الخدمات الصحية البريطانية أهمية الانتباه إلى التغيرات المستمرة في الذاكرة والقدرات الإدراكية، خاصة عندما تبدأ بالتأثير في الحياة اليومية.
ومن أبرز العلامات التي تستدعي طلب المشورة الطبية:
- تكرار نسيان المعلومات أو الأحداث بصورة غير معتادة.
- صعوبة العثور على الكلمات المناسبة أثناء الحديث.
- الارتباك بشأن الوقت أو المكان.
- صعوبات ملحوظة في التركيز أو اتخاذ القرارات.
- مواجهة مشكلات متزايدة في إنجاز المهام اليومية المعتادة.
- تغيرات مستمرة وملحوظة في المزاج أو السلوك.
ولا تعني هذه العلامات بالضرورة الإصابة بالخرف، إذ قد تنتج عن أسباب صحية أخرى، لكن تقييمها مبكراً يساعد على تحديد السبب والحصول على الرعاية المناسبة.
عادات يومية تدعم صحة الدماغ مع التقدم في العمر
رغم أهمية التعرض لضوء النهار في الصباح، فإن الحفاظ على الذاكرة لا يعتمد على عادة واحدة، بل يرتبط بمجموعة من العوامل الصحية والسلوكية.
ويشمل ذلك الحصول على نوم كافٍ ومنتظم، وممارسة النشاط البدني، واتباع نظام غذائي متوازن، والحفاظ على التواصل الاجتماعي، إلى جانب متابعة عوامل الخطر التي تؤثر في صحة القلب والأوعية الدموية.
وفي المحصلة، قد يكون تخصيص بضع دقائق للتعرض لضوء الصباح خطوة سهلة لدعم الساعة البيولوجية وتحسين انتظام النوم، لكنه ليس وسيلة مثبتة للوقاية من ألزهايمر أو الخرف. وتبقى العناية بالصحة العامة واتباع نمط حياة متوازن من الركائز الأساسية لدعم صحة الدماغ مع التقدم في العمر.