لا ترتبط مشكلات الأرق دائماً بالعادات التي يمارسها الأشخاص قبل الخلود إلى الفراش، إذ قد يكون السبب مرتبطاً بتصرف صباحي يتكرر يومياً، وهو عدم الالتزام بموعد ثابت للاستيقاظ، ما قد يؤثر في الساعة البيولوجية للجسم ويجعل النوم ليلاً أكثر صعوبة.
وبينما يركز كثيرون على تجنب الشاشات قبل النوم، وتهيئة غرفة النوم، والالتزام بروتين مسائي هادئ، يغفل بعضهم أهمية الانتظام في مواعيد الاستيقاظ، رغم دوره في تنظيم دورة النوم واليقظة، وفق تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست».
موعد الاستيقاظ ودوره في تنظيم النوم
يوضح متخصصون أن الاستيقاظ في الوقت نفسه يومياً يساعد الجسم على ضبط ساعته البيولوجية، وهي النظام الداخلي الذي ينظم أوقات النوم واليقظة، ويؤثر في الشعور بالنعاس والنشاط على مدار اليوم.
وفي هذا السياق، قالت عالمة النفس جينيفر كاسبارِي، المتخصصة في العلاج السلوكي المعرفي للأرق في كندا، إن تحديد موعد ثابت للاستيقاظ يساعد على ترسيخ إيقاع منتظم للجسم، ويعزز قدرته على التمييز بين وقت النشاط ووقت الراحة.
ولا يقتصر تأثير هذه العادة على الساعة البيولوجية، بل يمتد إلى ما يعرف بـ«ضغط النوم»، أي الحاجة البيولوجية المتزايدة إلى النوم كلما طالت فترة اليقظة.
كيف يؤدي الاستيقاظ المتأخر إلى استمرار الأرق؟
يتزايد ضغط النوم خلال ساعات اليقظة نتيجة تراكم مادة الأدينوزين في الدماغ، فيما تنخفض مستوياتها أثناء النوم، ما يساهم في تقليل الشعور بالحاجة إلى الراحة بعد الحصول على قسط كافٍ منها.
ومن هنا، فإن الاستيقاظ في موعد منتظم يساعد على تراكم ضغط النوم بصورة أكثر اتساقاً خلال اليوم، ويهيئ الجسم للشعور بالنعاس عند حلول المساء.
في المقابل، قد يؤدي النوم حتى وقت متأخر لتعويض ليلة سيئة إلى تقليل ضغط النوم بحلول المساء التالي، ما يجعل الاستغراق في النوم أكثر صعوبة، ويؤدي إلى تكرار المشكلة في الليالي اللاحقة.
وبذلك، قد يدخل الشخص في حلقة متكررة تبدأ بالأرق، ثم الاستيقاظ المتأخر، وصولاً إلى تأخر الشعور بالنعاس في الليلة التالية.
اضطراب مواعيد النوم والمخاطر الصحية
لا تقتصر أهمية انتظام النوم على الحد من الأرق، إذ تشير دراسات إلى وجود ارتباط بين اضطراب مواعيد النوم وبعض المخاطر الصحية على المدى الطويل.
ففي دراسة أُجريت عام 2024 وشملت أكثر من 72 ألف شخص من متوسطي العمر وكبار السن، ارتبطت أنماط النوم الأكثر اضطراباً بارتفاع احتمالات الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية ومشكلات أخرى في القلب، مقارنة بالأشخاص الذين اتسمت مواعيد نومهم بانتظام أكبر، حتى بين من تجاوزت مدة نومهم سبع ساعات يومياً.
كما أظهرت دراسة نُشرت عام 2023 أن الأشخاص الذين حافظوا على انتظام أكبر في مواعيد النوم والاستيقاظ، ضمن نطاق زمني لا يتجاوز ساعة واحدة في معظم الأيام، سجلوا احتمالات وفاة أقل خلال فترة الدراسة مقارنة بمن تفاوتت مواعيد نومهم واستيقاظهم ضمن نطاق يصل إلى ثلاث ساعات.
وتشير هذه النتائج إلى أهمية النظر إلى انتظام مواعيد النوم بوصفه عاملاً مهماً للصحة، إلى جانب عدد الساعات التي يقضيها الشخص في النوم.
خطوات تساعد على تحسين النوم
تقر كاسبارِي بأن الالتزام بموعد ثابت للاستيقاظ قد يكون صعباً، خصوصاً بعد ليلة من النوم المتقطع أو السهر، لكنها توصي بمحاولة بدء اليوم في الموعد المحدد بدلاً من تمديد النوم لساعات إضافية.
كما تنصح بالتعامل مع التعب الصباحي بهدوء، مع تذكير النفس بأن الحفاظ على جدول منتظم قد يساعد على تحسين النوم في المساء.
ويمكن جعل الاستيقاظ في الموعد المحدد أقل مشقة من خلال ربطه بنشاط محبب، مثل احتساء القهوة أو الاستماع إلى برنامج صوتي مفضل، بما يساعد على جعل بداية اليوم أكثر سهولة.
أما خلال عطلة نهاية الأسبوع، حين يميل كثيرون إلى تعويض ساعات النوم التي فقدوها خلال أيام العمل، فتشير كاسبارِي إلى أن زيادة مدة النوم بنحو 30 إلى 60 دقيقة قد تمنح قدراً من المرونة من دون إحداث اضطراب كبير عادة، بينما قد تؤدي الزيادة الأكبر إلى التأثير في جدول النوم والاستيقاظ.
وفي المحصلة، فإن الحفاظ على موعد استيقاظ منتظم، قدر الإمكان، قد يشكل خطوة بسيطة للمساعدة على تنظيم النوم، إلى جانب اتباع عادات صحية أخرى، مع ضرورة طلب المشورة الطبية إذا استمر الأرق أو أثر في الحياة اليومية.