عاد الرئيس الصيني شي جين بينغ من ثلاثة أيام من القمم المتتالية في الرياض: الأولى مع العاهل السعودي الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والثانية مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي، والثالثة مع مجموعة أكبر من الحكومات العربية.
وبحسب مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، "نتج عن ماراثون القمة عدد من الاتفاقات العامة وغير العامة عن الطاقة والتجارة والاستثمار والتعاون التكنولوجي ومختلف المجالات الأخرى. وقد صادقت القمم على علاقة اقتصادية وأمنية وثيقة بشكل متزايد. تزود المملكة العربية
السعودية الصين بـ18 في المائة من احتياجاتها من الطاقة، وتعمل على توسيع طلبات شراء المعدات البتروكيماوية والصناعية والعسكرية، والتي حصلت على الكثير منها في السابق من
الولايات المتحدة. في غضون ذلك، قال البيت الأبيض إن محاولة شي لتوسيع النفوذ الصيني في منطقة الخليج الفارسي "لا تساعد على الحفاظ على النظام الدولي".
ووصف المعلقون زيارة شي بأنها "علامة على تخلي الرياض عن علاقتها التقليدية مع واشنطن والتحول إلى بكين".
وتابعت المجلة، "السياسة الصينية بسيطة ومباشرة. تعرض بكين صفقة على الرياض: قومي ببيع نفطك لنا وساعدينا على استقرار أسواق الطاقة العالمية؛ اختاري أي معدات عسكرية تريدنها من القائمة الخاصة بنا؛ واستفيدي كما تحبين من التعاون معنا في الدفاع والفضاء وصناعة السيارات والصحة والتكنولوجيا. بعبارة أخرى، يعرض الصينيون على السعوديين صفقة يبدو أنها على غرار الصفقة الأميركية السعودية التي حافظت على استقرار
الشرق الأوسط لمدة 70 عامًا".
وأضافت المجلة، "بالنسبة للسعوديين، ما من شيء أكثر إحباطًا من احتمال الطلاق مع الولايات المتحدة. منذ الستينيات لم يعرف السعوديون أبدًا عالماً من دون علاقة قوية مع الولايات المتحدة. ومع ذلك، فقد هز العقد الماضي ثقة العديد من السعوديين، الذين شعروا بقربهم من الولايات المتحدة وإعجابهم بها، ولم يتم الرد بالمثل من قبل السياسيين وصناع القرار والصحافيين
الأميركيين. يعود انعدام الثقة هذا إلى عهد إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما".
فبحسب المجلة، "فهمت السعودية، عندما تفاوض أوباما على الاتفاق النووي مع
إيران في عام 2015، أنه يتنصل من علاقة أصبحت مصدر استقرار وقوة لكلا البلدين. ومهد الاتفاق طريقا لطهران لصنع قنبلة نووية بينما كانت تملأ صندوق حرب الحرس الثوري
الإيراني، الذي سلح المجموعات في كافة أنحاء العالم العربي في محاولة شرسة لتدمير النظام الحالي. كجزء من الاتفاق النووي الإيراني، أرسلت إدارة أوباما عشرات المليارات من الدولارات إلى الخزائن
الإيرانية، واستخدمت هذه الأموال لهدم العراق وسحق
سوريا وخلق الفوضى في
لبنان ودعم هجمات الحوثيين على الأراضي السعودية".
وتابعت المجلة، "كانت إدارة أوباما هي التي قررت منح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين موطئ قدم استراتيجيا في شرق البحر الأبيض المتوسط، والذي بررته الإدارة للشعب الأميركي على أنه طريقة مفترضة لوقف تصعيد الحرب الأهلية في سوريا. وردا على وابل الصواريخ اليمنية الذي استهدف البنية التحتية السعودية العام الماضي، سحبت إدارة بايدن بطاريات الدفاع الصاروخي الأميركية من الأراضي السعودية. ومع ذلك، حتى عندما أشعلت واشنطن النار في فناء المملكة الخلفي، سعى السعوديون إلى احترام دور الولايات المتحدة في دفاعها عن السعودية كصانع سلام إقليمي وكدولة ما زالت تتمتع باحترام سكان المملكة".
وأضافت المجلة، "بالإضافة إلى ذلك، اختارت إدارة بايدن أيضًا شن حرب على مصادر الطاقة القائمة على الكربون مع القليل من التفكير الواقعي حول كيفية إدارة انتقال الطاقة. ترافق الخطاب الحاد حول إنقاذ الكوكب أيضًا بجهد ثلاثي الأبعاد لإنشاء كارتل خاص لستوردي النفط الروسي لمحاربة أوبك +. أولاً، أطلق بايدن ملايين البراميل من النفط من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأميركي، والذي كان الغرض منه التخفيف من صدمة
العرض، وليس التلاعب بالأسواق. ثانيًا، أنشأت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون وكندا وأستراليا آلية سوق لتحديد سقف أسعار صادرات النفط الروسية الأسبوع الماضي. وثالثًا، تضغط إدارة بايدن على المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت لزيادة الإنتاج لتحقيق الأهداف السياسية المحلية للولايات المتحدة، بما في ذلك التضخم الناتج عن سياساتها المالية والنقدية. مجتمعة، تبدو استراتيجية إدارة بايدن للسعوديين والمراقبين الآخرين كمحاولة لانتزاع القوة لإبعاد أسعار النفط عن أوبك +. إذا نجحت هذه الخطوة، فسيكون من المستحيل على المملكة العربية السعودية الحصول على عائدات لتحقيق أهدافها التنموية".
وختمت المجلة، "إن الخلط بين سوء تقدير الولايات المتحدة وعجز الولايات المتحدة أمر أحمق. لا يمكن لأي فاعل عالمي، بما في ذلك الصين، تدمير النظام العالمي الذي أنشأته الولايات المتحدة وحافظت عليه لفترة طويلة. لا يمكن تدميره إلا من قبل الولايات المتحدة نفسها."