قد يتركز اهتمام العالم على السباق اليائس لإنقاذ الرعايا الأجانب الذين تقطعت بهم السبل في السودان، لكن التدافع الحقيقي على إفريقيا يتعلق بطموحات القوى المتنافسة، مثل
روسيا، لتوسيع نفوذها في القارة.
وبحسب صحيفة "ذا تليغراف"
البريطانية، "كان السبب
الرئيسي لاندلاع العنف الأخير في الخرطوم هو التوترات المتصاعدة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وهي منظمة شبه عسكرية مستقلة، لعبت دورًا رئيسيًا في الحفاظ على المجلس العسكري السوداني في السلطة. وتعود أصول قوات الدعم السريع إلى ميليشيا الجنجويد. وبرزت هذه الجماعات خلال نزاع دارفور في مطلع القرن، عندما تورطت في العديد من جرائم الحرب. ونتج عن ذلك وصول عمر البشير، الديكتاتور السابق للبلاد منذ فترة طويلة، إلى سدة الرئاسة والذي أصبح لاحقاً الرئيس الأول الذي تتم إدانته من قبل المحكمة الجنائية الدولية".
وتابعت الصحيفة، "وفي الآونة الأخيرة، كانت الميليشيا في طليعة الجماعات التي ساهمت في القمع الوحشي للمتظاهرين المؤيدين للديمقراطية الذين نظموا اعتصامًا سلميًا خارج المقر العسكري في الخرطوم، في أعقاب ثورة 2019 التي أطاحت بالبشير من السلطة. وتتمتع قوات الدعم السريع وقائدها اللواء محمد حمدان دقلو، أو "حميدتي" كما يُعرف شعبياً، منذ فترة طويلة بمكانة مميزة في الخرطوم، وهو منصب يعود الفضل فيه للثروة الهائلة التي اكتسبتها الحركة من تصدير الذهب. ولكن عندما حاول اللواء عبد الفتاح البرهان، رئيس المجلس العسكري للبلاد، كبح جماح قوات الدعم السريع من خلال دمجها في هيكل القوات المسلحة القائمة في البلاد، رد حميدتي، الذي أصبح محبطًا بشكل متزايد من منصبه كنائب رسمي للبرهان، من خلال محاولة تأسيس سلطة خاصة به، والتي أدت الآن إلى تحول الخرطوم إلى حالة من الفوضى".
وأضافت الصحيفة، "في حين أن انحدار السودان المفاجئ إلى العنف فاجأ معظم الحكومات الغربية - بما في ذلك بريطانيا - على حين غرة، فإن الاضطرابات تسلط الضوء أيضًا على تحدٍ أكبر يواجه الغرب؛ وهو كيفية التعامل مع النفوذ المتنامي للقوى المنافسة مثل روسيا في المنطقة. بفضل عقد أو أكثر من الزلات السياسية الكارثية في شمال إفريقيا، فإن المكانة الغربية في المنطقة وصلت إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق. وأدى التدخل العسكري غير المدروس في ليبيا عام 2011 للإطاحة بالعقيد معمر القذافي إلى تحويل البلاد إلى فوضى عارمة".
وبحسب الصحيفة، "في غضون ذلك، في مصر المجاورة، لا تزال البلاد تكافح للتعامل مع الفوضى الاقتصادية التي سببها نظام الإخوان المسلمين الذي لم يدم طويلاً. ووصل الإخوان إلى السلطة بعد أن دعم القادة الغربيون الإطاحة بالرئيس حسني مبارك، الذي كان لعقود حليفا قويا للغرب. ولا يوجد أي احتمال جدي لمحاولة القادة الغربيين تحسين العلاقات مع هذه المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية من العالم. بينما تستمر إدارة الرئيس الأميركي
جو بايدن في سعيها لفك الارتباط سياسياً وعسكرياً عن مساحات شاسعة من العالم، فإن العقيدة الناشئة التي تستهلك الآن السلطة البريطانية تعني أنه من المرجح أن نرى الحكومة البريطانية تعتذر عن الإرث الاستعماري
البريطاني بدلاً من استعادة العلاقات مع الحلفاء القدامى".
وأضافت الصحيفة، "في غياب أي مصلحة غربية ذات مغزى، فليس من المستغرب إذن أن تظهر القوى الأخرى المعادية لمصالح الغرب تصميمًا قويًا على تأكيد نفوذها. على الرغم من الانتكاسات العديدة التي عانى منها
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في
أوكرانيا، لم يفقد الزعيم الروسي أيًا من حماسه لتوسيع مشاركة موسكو في إفريقيا والشرق الأوسط. فبعد التدخل العسكري الروسي الناجح في
سوريا خلال الحرب الأهلية الأخيرة، نشطت مجموعة فاغنر المرتبطة بالكرملين والمتخصصة في استخدام المرتزقة شبه العسكريين لتحقيق أهداف بوتين، في بلدان متباينة مثل مالي وليبيا وجمهورية إفريقيا الوسطى".
وتابعت الصحيفة، "إن حقيقة تورط مجموعة فاغنر الآن في دعم قوات الدعم السريع في محاولتها لتصبح القوة المهيمنة في المجلس العسكري السوداني تتماشى تمامًا مع خطة بوتين الرئيسية لتعميق النفوذ الروسي في المنطقة. تعود علاقات فاغنر مع قوات الدعم السريع إلى عدة سنوات. يُزعم أن مقاتلي قوات الدعم السريع قد تم إعارتهم للقتال مع مرتزقة فاغنر في ليبيا، بينما زود فاغنر قوات الدعم السريع بالكثير من المعدات العسكرية التي تُستخدم الآن في كفاحها ضد الجيش السوداني".
وبحسب الصحيفة، "إلى حد بعيد، كانت الخطوة الأكثر إثارة للجدل هي جهود موسكو لإبرام صفقة مع الخرطوم لبناء قاعدة بحرية روسية جديدة في بورتسودان، وبالتالي منح روسيا وجودًا دائمًا في البحر الأحمر، أحد الشرايين التجارية الرئيسية في العالم. إن الاتفاق، الذي تم التفاوض عليه لأول مرة عندما كان البشير لا يزال في السلطة، معلق منذ الانقلاب العسكري. لكن قوات الدعم السريع أشارت إلى أنها ستسهل بناء
القاعدة الروسية إذا نجحت في محاولتها للسيطرة على الحكومة".
وختمت الصحيفة، "بالنظر إلى أن بريطانيا ساعدت في بناء بورتسودان الأصلي في أوائل القرن العشرين، فلا شيء يمكن أن يوضح التدهور السريع للنفوذ البريطاني في المنطقة أفضل من إنشاء قاعدة روسية جديدة في الموقع عينه"