وتم الإعلان، أمس، عن مغادرة بريغوجين، إلى بيلاروس، ووقف الدعوى الجنائية المرفوعة ضده في موسكو، وعدم ملاحقة عناصر المجموعة الذين شاركوا في التمرد المسلح.
وفي السياق، قالت المحللة المختصة بالشأن الروسي، آنا بورشفسكايا، لـ"الحرة" إن الاتفاق الأخير يطرح العديد من الأسئلة التي لم تجد إجابة حتى الآن، وترجح أن يكون بوتين قد "أعطاه شيئا" لإتمام هذا الاتفاق، "لكن ليس واضحا ما هو ولكن نأمل أن نعرفه في الوقت المناسب".
ويتولى لوكاشينكو السلطة في بيلاروس، الدولة السوفيتية السابقة التي تقع على حدود
روسيا وأوكرانيا، منذ عام 1994، وخلال تلك الفترة واجه اتهامات عدة بقمع
المعارضة وأطلق عليه اسم "آخر ديكتاتور
أوروبا" مما وضعه بمرمى
العقوبات الأوروبية.
ومنذ الانفصال عن الاتحاد السوفيتي في أوائل التسعينيات، ارتبطت بيلاروس بشكل متزايد بروسيا على عكس جيرانها الذين نأوا بأنفسهم عن موسكو، وتعززت تلك الروابط مع غزو روسيا لأوكرانيا.
ودفعت العزلة السياسية والاقتصادية المتزايدة للوكاشينكو عن الغرب إلى الاقتراب "بشكل خطير" من روسيا، ومنحت بوتين "فرصة لتعميق التكامل بين روسيا والجمهورية السوفيتية السابقة"، وفق وول ستريت جورنال.
وبينما وقع نظام لوكاشينكو تحت طائلة العقوبات الغربية، كان هو أحد أقرب وأقدم حلفاء بوتين، وزادت أهمية هذه العلاقة بعد أن ساعده بوتين في قمع احتجاجات 2020، بعد أن نزل آلاف البيلاروسيين إلى الشوارع احتجاجا على إعلان لوكاشينكو نفسه فائزا في الانتخابات الرئاسية. وعندما لاح في الأفق شبح الغزو الروسي، كان الرئيس البيلاروسي في طليعة المؤيديين لحليفه.
وجاء في تقرير سابق للإذاعة الأميركية العامة (أن بي آر) أن لوكاشينكو ساعد بوتين ليرد له الخدمة السابقة، إذ أنه بمساعدة بوتين، سحق لوكاشينكو الحركة الاحتجاجية التاريخية وسجن أو نفى جميع شخصيات المعارضة الرئيسية.
وعندما أرسل بوتين قوات إلى أوكرانيا، في شباط 2022، أبدى لوكاشينكو دعمه الثابت له، فيما توترت علاقته بأوروبا والغرب عموما.
وتقول المحللة الروسية إن "لوكاشينكو يعتمد على بوتين. ليس لديه خيار في مسألة الانخراط في الحرب منذ البداية، هو دخل الحرب ليس لأن الشعب البيلاروسي يريد ذلك، ولكن لأنه مدين لبوتين".
كما أن الصراع الداخلي الروسي، وفق وول ستريت جورنال، "عزز موقفه والآن يمكنه الترويج لنفسه على أنه لعب دورا في منع روسيا من دخول حرب أهلية".
وبين عامي 2014 و 2015، استضاف لوكاشينكو سلسلة اجتماعات شاركت فيها أطراف دولية في العاصمة البيلاروسية، مينسك، بهدف إنهاء الحرب في منطقة دونباس الأوكرانية، بين الانفصاليين المدعومين من روسيا والجيش الأوكراني. كانت المحادثات غير مثمرة لكنها سمحت للوكاشينكو بلعب دور صانع سلام.
كما قدم الرئيس البيلاروسي نفسه على أنه صانع سلام محتمل في النزاع الأخير، وعرض استضافة اجتماع بين بوتين والرئيس الأميركي،
جو بايدن، قبل أسبوع من زيارة الأخير لبولندا في شباط.
وفي بداية عام 2022، أرسلت روسيا 30 ألف جندي، ومعدات عسكرية تشمل الطائرات وأنظمة الدفاع الجوي والصواريخ إلى بيلاروس، وذلك ظاهريا لإجراء مناورات عسكرية مشتركة، لأنه اتضح أنها كانت غطاء لغزو أوكرانيا.
ومع انطلاق الغزو، العام الماضي، سمح لوكاشينكو لروسيا باستخدام بيلاروس نقطة انطلاق لشن هجمات على أوكرانيا، التي تشترك معها بحدود طولها حوالي 1000 كيلومتر، واستضافت بيلاروس الجنود الروس الجرحى لتلقي العلاج.
وتمتد الأراضي الجنوبية لبيلاروس بالقرب من كييف، مما جعلها قاعدة مفيدة للقوات الروسية في محاولتها الفاشلة للاستيلاء بسرعة على العاصمة الأوكرانية في وقت مبكر من الصراع.
وتقع بيلاروس على حدود بولندا وليتوانيا ولاتفيا، وكلها أعضاء في التحالف العسكري
الغربي لحلف "الناتو"، مما يزيد أهميتها الاستراتيجية لموسكو، كما أنها أقصر طريق بين البر
الرئيسي لروسيا وكالينينغراد، وهي منطقة معزولة تسيطر عليها روسيا غربا على بحر البلطيق. وعرض الرئيس البيلاروسي نشر بعض الأسلحة النووية التكتيكية الروسية هناك. لكنه تجنب مشاركة بلاده بشكل مباشر في القتال.
وفي نيسان الماضي، بدأ جنود بيلاروسيون تدريبهم في روسيا على استخدام أسلحة نووية "تكتيكية"، بعد أن كان الكرملين قد أعلن أنه يعتزم ارسال هذا الطراز من الأسلحة إلى بيلاروس.
وفي 14 حزيران الجاري، أعلن لوكاشينكو ُأن بلاده بدأت في تسلم أسلحة نووية تكتيكية روسية.
وعدلت روسيا طائرات حربية بيلاروسية لتكون قادرة على حمل أسلحة نووية، ومنحت حليفها صواريخ "إسكندر" قصيرة المدى يمكن تزويدها برأس حربي نووي، ودربت أطقم بيلاروسية على تشغيل الطائرات والصواريخ المسلحة بأسلحة نووية.
وتشير "أسوشيتد برس" إلى أنه خلال الحرب الباردة، استضافت بيلاروس حوالي ثلثي ترسانة موسكو من الصواريخ متوسطة المدى ذات الرؤوس النووية، ولايزال من الممكن استخدام العشرات من مواقع التخزين هذه التي تعود إلى الحقبة السوفيتية لتخزين الأسلحة المرسلة حديثا.
وقال المحلل العسكري البيلاروسي، أليكساندر أليسين، للوكالة: "كانت بيلاروس حصنا نوويا سوفييتيا، والآن قرر بوتين ولوكاشينكو ليس فقط ترميمها ولكن تقويتها"، موضحا أنه "من بيلاروس، يمكن للصواريخ الروسية ذات الرؤوس النووية أن تصل إلى أوكرانيا وأراضي بولندا بأكملها، ودول البلطيق وجزء من ألمانيا، وهذه" الشرفة النووية البيلاروسية "ستثير أعصاب السياسيين الغربيين لفترة طويلة مقبلة".