الأحد الماضي، أعلنت الحكومة الدنماركية في بيان إنها تبحث الطرق القانونية لوقف الاحتجاجات التي يتم خلالها حرق النصوص المقدسة، وذلك تجنبا لوقوع مخاطر أمنية نتيجة ردود الفعل العنيفة المحتملة في مثل هذه الحوادث، والتي منها حرق المصحف في الدنمارك والسويد، وفقا لوكالة "فرانس برس".
ويثير إعلان الحكومة جدلا مجتمعيا في الدنمارك، حيث تنقسم الأحزاب والسياسيون بين مؤيد يرى أن من شأن الخطوة حماية أمن البلاد، وبين معارض على أساس أن الإجراء المطروح يخالف مبدأ حرية التعبير في الدنمارك، بحسب موقع "ذا لوكال".
وعقب صدور البيان، قال
وزير الخارجية الدنماركي، لارس لوك راسموسن، الأحد، في مقابلة مع الإذاعة الدنماركية العامة، وفقا لشبكة "أيه بي سي نيوز"، إن الحكومة ستسعى إلى جعل تدنيس المصحف أو الكتب الدينية الأخرى أمام السفارات الأجنبية في الدنمارك أمرا غير قانوني.
وأضاف أن حرق الكتب المقدسة "يخدم فقط غرض خلق الانقسام في عالم يحتاج في الواقع إلى الوحدة".
وتابع أن
مجلس الوزراء برئاسة ميت فريدريكسن مصمم على إيجاد "أداة قانونية" لحظر مثل هذه الأفعال دون المساس بحرية التعبير، لكنه أقر بأن ذلك لن يكون سهلا.
قانون التجديف الدنماركي
في فبراير 2017 وجه المدعون العامون في الدنمارك تهمة "التجديف" لرجل أحرق نسخة من المصحف في حديقة منزله الخلفية، ما أثار صدمة، آنذاك، في البلاد التي تعتز بقوانينها العلمانية.
وأضاف القرار إلى الجدل المستمر بشأن حرية التعبير من جهة، واحترام الأديان من جهة أخرى خاصة أنه لم تتم إدانة أي شخص بتهمة "التجديف" في الدنمارك منذ عام 1946، كما أن قوانين التجديف منقرضة بشكل كبير في
أوروبا، حيث لا يوجد سوى خمس دول أخرى كانت تحتفظ بهذه القوانين حتى ذلك العام.
ولم تحصل مقاضاة أي شخص وفق قانون التجديف إلا مرات قليلة منذ إقراره في عام 1866، وكان آخرها في عام 1971، عندما بث شخصان أغنية تسخر من
المسيحية وأثارت جدلا حول الحياة الجنسية للإناث، لكن المتهمين حصلا على البراءة.
ولم تتم إدانة أي شخص بالجريمة منذ عام 1946، عندما ارتدى رجل زي كاهن وعمد دمية في حفلة تنكرية، وفقا لصحيفة نيويورك تايمز.
ولوحق الرجل قانونيا أولا بتهمة خطاب الكراهية، قبل أن يتم تعديل لائحة الاتهام إلى التجديف، وكان من المفترض أن يحاكم في يونيو 2017.
لكن البرلمان الدنماركي ألغى القانون في يونيو من العام ذاته، قبل المحاكمة.
يذكر أن محامي المتهم كان المتطرف الدنماركي راسموس بالودان، الذي قام هو نفسه بإحراق المصحف مرات عدة، وفي تجمعات عامة.
وفي مقابلة عبر الهاتف مع نيويورك تايمز، أشار بالودان إلى أن فنانا دانمركيا أحرق في عام 1997 نسخة من الإنجيل في برنامج إخباري لهيئة إذاعة حكومية ولكن لم توجه إليه تهمة.
وقال بالودان في المقابلة "بالنظر إلى أنه من القانوني حرق الإنجيل في الدنمارك، فأنا مندهش من أنه سيكون من الجريمة حرق القرآن".
توك لورنزن.. بالسترة المضادة للرصاص مع ناشط آخر من حزبه أمام السفارة
العراقية في الدنمارك
توك لورنزن الذي أحرق مؤخرا نسخة من المصحف والعلم
العراقي
انقسام
وتبدو المقايضة بين حرية التعبير والأمن صعبة للغاية، كما أن هناك كثيرا من المصاعب العملية التي تقف أمام تحديد أي النصوص مقدس، وأيها يجب أن يتمتع بحماية الدولة.
وينقسم دعاة حقوق الإنسان في العالم بشدة بين الرغبة في الحماية المطلقة لحرية التعبير، وبين المخاوف من تحول بعض مظاهر حرية التعبير إلى مظاهر كراهية دينية أو عرقية، أو أن تتسبب في تداعيات أمنية خطيرة.
وكانت التوترات المتأججة بين الحساسيات الدينية وحرية التعبير موضوعا في الدنمارك منذ عام 2005، عندما نشرت صحيفة يولاندس بوستن 12 رسما كاريكاتوريا للنبي محمد.
وأثارت هذه الصور غضب العديد من المسلمين، الذين يعتبرون مثل هذه الصور تجديفا.
أدى الجدل إلى أعمال شغب مميتة وهجمات على السفارات الدنماركية في
الشرق الأوسط ومقاطعة تجارية ضد الدنمارك.
هل يمكن للدنمارك تجريم حرق المصحف؟
قال بيان صادر عن
وزارة الخارجية الدنماركية إنه نظرا لاستغلال المتطرفين مثل هذه الاحتجاجات (التي يتم فيها حرق الكتب المقدسة) لصالحهم، تبحث الحكومة آلية التدخل القانوني في المواقف التي "يتم فيها إهانة بلدان وثقافات وديانات أخرى، لتفادي حدوث عواقب سلبية كبيرة على الدنمارك، على الأقل في ما يتعلق بالأمن، وفقا للـ"فرانس برس".
وأضافت الخارجية في بيانها أنها ستحاول ضمان أن يتم ذلك في إطار حرية التعبير المحمية دستوريا في الدنمارك، مشددة على أن هذه واحدة "من أكثر القيم أهمية".
وفقا لخبراء قانونيين تحدثوا إلى موقع "ذا لوكال"، فإنه سيكون من السهل نسبيا على البرلمان سن قوانين تجرم حرق المصحف والنصوص المقدسة الأخرى.
ونقلت الصحيفة عن أحد أستاذة القانون التي تؤيد البيان الحكومي قولها إنه نظرا لأن الدنمارك ليس لديها قانون يحمي النصوص المقدسة، فإن هذا الأمر يتيح الفرصة للناس للتوصل إلى وجهات نظر متطرفة".
وأوضح أستاذ قانون آخر أن ما تفعله حكومة الدنمارك سيصب في صالحها في النهاية، لأنه سيكون تدخلا قانونيا محدودا، مشيرا إلى أن التشريع الجديد الذي اقترحته الحكومة سيطبق على جميع النصوص الدينية وليس القرآن فقط، وقال إنه سيكون له تعريف ضيق وسيحدد أغراضا عملية مثل منع المخاطر الأمنية.
وأثارت الأحزاب المحافظة بالفعل مخاوف بشأن الخطوة المحتملة، وقال زعيم حزب المحافظين، سورين بابي بولسن، في تصريحات تلفزيونية إنه يشعر بالقلق من أن تكون هذه هي الخطوة الأولى للتنازل الذي لا يعرف أحد أين سيتوقف".
وقال أحد المحافظين الذي يعارضون بيان الحكومة أنه إذا قيدت حرية الرأي للحفاظ على المصالح الدنماركية الدبلوماسية والتجارية والأمنية الأوسع في الخارج، فمن المتوقع أن يمتد الأمر أكثر من ذلك بحيث يمكن فيما بعد منع حرق صور زعماء أجانب أو القيام بمظاهرات تنتقد الآخرين.(الحرة)