على مدى أسبوع، بدا وكأن السلام ممكن. ثم، بعد يوم واحد فقط من انهيار الهدنة بين حماس وإسرائيل، قصفت القوات الجوية
الإسرائيلية غزة مرة أخرى، مما أسفر عن مقتل أكثر من 700 فلسطيني في يوم واحد، حسبما ورد.
وبحسب صحيفة "The Hill" الأميركية، "لم يترك رئيس الوزراء
الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أي مجال للشك بشأن أهدافه، مشبهاً حماس بـ"داعش" وواعداً بمحاربتها "حتى ننتصر مهما طال الزمن". إلا أن هذا التشبيه معيب إلى حد كبير، والأسوأ من ذلك أنه قاد الحكومة اليمينية
في إسرائيل نحو مسار كارثي من التصعيد، حيث يعتمد قادتها على أوجه تشابه تاريخية خاطئة للدفاع عن تصرفاتهم في غزة. وبناء على الأحداث التاريخية، فإن إيجاد حل دائم للإرهاب والتمرد لا يمكن أن يكون سياسياً. فاستمرار الحرب لن يشكل فشلاً أخلاقياً فادحاً فحسب، بل سيكون أيضاً خطأ استراتيجياً فادحاً".
وتابعت الصحيفة، "في الحقيقة، ليس لدى حماس الكثير من القواسم المشتركة مع داعش. فالتنظيم أراد إقامة خلافة عالمية وشن حرباً مستمرة على أعدائه لهذه الغاية، في المقابل تسعى حماس إلى إقامة دولة فلسطينية، وهي على استعداد لتقديم تنازلات تكتيكية لتحقيق هذه الغاية. وبعد رفض طويل لحل الدولتين، أشار قادتها على مدى العقدين الماضيين إلى قبولهم بدولة فلسطينية داخل حدود عام 1967. وتظهر الهدنة القصيرة الأمد أن حماس، مثل معظم الجماعات المسلحة، سوف تتفاوض عندما يكون ذلك في مصلحتها. كما أن الرأي العام منقسم بشأن المجموعتين، فأكثر من 90% من العرب العراقيين كانت لديهم وجهة نظر سلبية تجاه داعش في عام 2015، إلا أنه في حين أن
الفلسطينيين في غزة لا يحبون حماس، فقد وجدت إحدى الدراسات قبل الحرب أن حوالى نصفهم لديهم رأي "إيجابي إلى حد ما" حول الجماعة. من جهة أخرى، رحب العراقيون بأغلبية ساحقة بالتحالف المناهض لتنظيم داعش باعتباره قوة محررة، ولكن قادة
إسرائيل واهمون إذا تصوروا أن الفلسطينيين سوف يستقبلون القوة العسكرية الأجنبية بأذرع مفتوحة".
وأضافت الصحيفة، "إذاً، يتعين على إسرائيل أن تنظر إلى تجربة ثلاث جماعات مسلحة أخرى: الفيت كونغ، وطالبان، والجيش
الجمهوري الأيرلندي المؤقت. ورغم أن حماس تختلف عن كل من هذه الجماعات، الأولى شيوعية، والثانية إسلامية، والثالثة
جمهورية، فإنها تنظر إلى نفسها أيضاً باعتبارها حركة تحرير وطني تعارض الاحتلال الأجنبي. وفي الحقيقة، استخدمت المجموعات الأربع العنف المتعمد ضد المدنيين. ومثل هذه الجماعات أيضًا، تعمل حماس بشكل رئيسي في المناطق الحضرية. ويبدو أن حماس الآن مستعدة لتكرار تجربة طالبان، التي حكمت أفغانستان لمدة خمس سنوات قبل أن تعيد تشكيل نفسها كمجموعة حرب عصابات متمردة. فشلت
الولايات المتحدة في تدمير كل من الفيت كونغ وطالبان بينما هزمت الحكومة
البريطانية الجيش الجمهوري الإيرلندي، فماذا يمكننا أن نتعلم من تجربتهم؟"
بحسب الصحيفة، "أولاً، سيؤدي الانتقام الواسع النطاق إلى نتائج عكسية حتماً. فقد دفعت الحملات الأميركية في جنوب فيتنام السكان المدنيين إلى أحضان الفيت كونغ. وحدث الامر نفسه في أفغانستان، فمع تصاعد الخسائر في صفوف المدنيين بين عامي 2005 و2009، انقلب الأفغان ضد الولايات المتحدة، مع انخفاض الدعم الشعبي من 83 إلى 47%. وفي الماضي، تبين أن الحملات العسكرية الإسرائيلية لا تؤدي إلا إلى زيادة الدعم لحماس، وهناك أدلة تشير إلى أن هذه المرة لا تختلف عن سابقاتها".
وتابعت الصحيفة، "الدرس الثاني لا يقل أهمية عن ذلك: الاحتلال العسكري محكوم عليه بالفشل. لقد حاربت الولايات المتحدة حركة طالبان لمدة عقدين من الزمن، ثم عاد المتمردون إلى السلطة في غضون أيام من الانسحاب الأميركي. أما
المملكة المتحدة فقد اختارت مساراً مختلفاً: ففي اتفاق "الجمعة العظيمة"، وافق الجيش الجمهوري الأيرلندي على التخلي عن كفاحه المسلح في مقابل توسيع نطاق الحكم الذاتي لأيرلندا الشمالية، وأدركت بريطانيا أن الانتقام العسكري لم يكن فعالاً ضد
المقاومة المسلحة".
ورأت الصحيفة أن "قادة إسرائيل الآن يكررون أسوأ أخطاء الولايات المتحدة. فقد أعلن نتنياهو أن الجيش الإسرائيلي سيسيطر على غزة "لأجل غير مسمى"، لكن الاحتلال الإسرائيلي، أو أي احتلال من قبل قوة أجنبية أو متعاونة، سيؤدي حتماً إلى ظهور أعمال عنف لمكافحة التمرد. إن مسار التصعيد الهائل الذي تتبعه إسرائيل حالياً سوف يكون له نتائج عكسية كما فعلت حملة القصف الأميركية في فيتنام. كل غارة جوية، وكل وفاة بين المدنيين، وكل يوم من المعاناة في الحرب، تضعف أمن إسرائيل على المدى الطويل".
وبحسب الصحيفة، "إن المنطق الخاطئ المتمثل في
القضاء على حماس على غرار داعش يعمي رؤية نتنياهو. فإذا كانت الحكومة الإسرائيلية عازمة حقاً على العثور على كل مقاتل من حماس وقتله، فسوف يكون لزاماً عليها أن تقتل كل فلسطيني في غزة في هذه العملية. وبالتالي فإن الدعوات المطالبة باستئصال حماس هي في أحسن الأحوال ساذجة، وفي أسوأها دعوة مفتوحة إلى أعمال عنف الإبادة الجماعية. من أجل التوصل إلى حل دائم، يتعين على السلطة
الفلسطينية المعاد تشكيلها أن تجمع بين مجموعة متنوعة من التحالفات العريضة من اللاعبين السياسيين، بما في ذلك حماس. وعلى المدى الطويل، لا يمكن نزع سلاح الجماعات المسلحة إلا على طاولة المفاوضات".
وختمت الصحيفة، "يتعين على القادة العسكريين في إسرائيل أن يفهموا أن حماس وتنظيم الدولة الإسلامية ليسا متشابهين. فبدلا من شن حملة ضد داعش، يتعين على إسرائيل أن تتعلم دروس حروب أميركا في فيتنام وأفغانستان. في الواقع، لم يؤد مقتل آلاف المدنيين إلى تغيير في الإستراتيجية الأميركية أو الإسرائيلية، عسى أن تتمكن المصلحة الوطنية من إحداث هذا التغيير".