كتبت "
سكاي نيوز": تشهد الساحة الفلسطينية مرحلة حرجة، مع تصاعد الخطوات
الإسرائيلية الأخيرة، التي تتراوح بين عمليات تمهيدية لاحتلال كامل لقطاع غزة، وخطط متسارعة لضم أجزاء من الضفة الغربية وتغيير هويتها السياسية والديموغرافية.
وفي الوقت الذي يناقش فيه رئيس الوزراء
الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في اجتماعات مغلقة سيناريوهات لاستبدال قيادة السلطة الفلسطينية في بعض المناطق بعشائر محلية، تستمر
الولايات المتحدة في تضييق الخناق على السلطة، عبر منع مسؤولين فلسطينيين من المشاركة
في مؤتمرات دولية تناقش حل الدولتين.
في ظل هذا التصعيد، يبرز سؤال محوري: ما هي خيارات
الفلسطينيين اليوم؟ وهل يستطيعون فرض معادلة جديدة توقف مسار التفكك وتحمي قضيتهم من التصفية؟
ويعتبر المتحدث باسم حركة "فتح"، عبد الفتاح دولة، خلال حديثه لغرفة الأخبار على سكاي نيوز عربية، أن ما يحدث هو امتداد لمشروع استعماري قديم يلاحق الفلسطينيين منذ عقود، لكنه يتخذ اليوم شكلاً أكثر خطورة، في ظل ما وصفه بـ"وتيرة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي".
ويضيف دولة أن اليمين الإسرائيلي المتطرف، الذي يقود الحكومة الحالية، يرى أن الوقت الحالي مواتٍ لتصفية القضية الفلسطينية، بدءاً من غزة التي تواجه "احتلالاً كاملاً"، وصولاً إلى الضفة الغربية حيث تُفرض وقائع جديدة مرتبطة بمخططات الضم.
ورغم هذا الواقع، يؤكد دولة أن الشعب الفلسطيني ما يزال يملك "إرادة الصمود وأدوات النضال"، مشدداً على أن المواجهة تتطلب جهداً مضاعفاً، وإرادة سياسية موحدة، وحراكاً دبلوماسياً عربياً ودولياً متماسكاً.
الانقسام الفلسطيني.. عقدة المأزق
يرى عبد الفتاح دولة أن أبرز ما يعيق الفلسطينيين عن مواجهة المشروع الإسرائيلي هو استمرار الانقسام الداخلي.
فبعد اللقاء الوطني الذي دعا إليه الرئيس محمود عباس في 7 تشرين الأول، والذي كان الهدف منه التحذير من مخاطر الحكومة الإسرائيلية وخططها الاستعمارية، فوجئت القيادة ـ وفق دولة ـ بخطوة منفردة من حركة "حماس" بإشعال المعركة دون توافق وطني شامل.
ويؤكد أن "القرار الفلسطيني يجب أن يكون جماعياً تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب"، مشيراً إلى أن وجود "قرارين ومرجعيتين" يبقي الحالة الوطنية ضعيفة أمام التحديات.
ومن وجهة نظر حركة "فتح"، المطلوب الآن هو "حوار وطني شامل" يتجاوز الحسابات الفصائلية والحزبية الضيقة، ويعيد ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي على قاعدة وحدة الموقف والقرار.
ويشدد دولة على أن الرئيس عباس "يمارس مسؤولياته تجاه الشعب الفلسطيني بموضوعية وعقلانية"، داعياً إلى الالتفاف حول الشرعية الفلسطينية كخيار وحيد لمواجهة المشروع الإسرائيلي القائم على "الإبادة والاقتلاع".
ويختم دولة بالتأكيد على أن المعركة الحالية ليست مجرد جولة عسكرية، بل "حرب وجودية تهدد مستقبل الشعب الفلسطيني برمته".
غزة في عين العاصفة
قدّم مدير مؤسسة "فيميد" الفلسطينية للإعلام، إبراهيم المدهون، صورة قاتمة عن الوضع في غزة، واصفاً إياه بأنه "كارثي إنسانياً وسياسياً".
ويوضح أن أكثر من نصف سكان المدينة تم تهجيرهم، فيما يعيش نحو مليون فلسطيني تحت رحمة القتل والتدمير، وسط استمرار
إسرائيل في تدمير البنية التحتية والمنازل والمخيمات.
ويحذر المدهون من أن المعركة قد تمتد إلى الضفة الغربية وربما أبعد، ما يجعل التهديد "وجودياً" للشعب الفلسطيني كله، لا لفصيل بعينه.
وحدة الصف.. ضرورة لا خيار
رغم الصورة القاتمة، يؤكد المدهون أن الخيارات الفلسطينية لا تزال قائمة، لكنها تتطلب "قرارات جريئة واستثنائية" تتجاوز خلافات الماضي.
ويحدد 3 مسارات عاجلة:
عمل موحد واجتماع عاجل يضم السلطة وحركتي فتح وحماس وكل الفصائل.
تواصل فوري مع القوى العربية والإقليمية للتدخل.
تحشيد الموقف الدولي لوقف الإبادة الجماعية.
ويشير إلى أن السلطة، بفضل شرعيتها الدولية، قادرة على التحرك السياسي والدبلوماسي بسرعة وتأثير أكبر، شرط أن تحظى بالدعم داخلياً وعربياً.
حماس بين المسؤولية والمشاركة
يؤكد المدهون أن "حماس ليست جزءاً من المشكلة، بل يمكن أن تكون جزءاً من الحل"، مشيراً إلى استعدادها لتقديم "تنازلات غير متوقعة"، بما في ذلك تسليم إدارة غزة للسلطة أو أي إدارة توافقية، مقابل وقف الحرب وإنهاء العدوان.
ويضيف أن أولويتها الآن هي "وقف نزيف الدم والتهجير"، ما يجعلها منفتحة على التعاون مع السلطة لصياغة خارطة طريق مشتركة.
إسرائيل ورفض كل الخيارات
رغم استعداد الفلسطينيين لتنسيق الجهود، يشدد المدهون على أن المشكلة الجوهرية تكمن في رفض إسرائيل لأي حل.
ويقول إن "نتنياهو وحكومته المتطرفة لا يميزون بين فصائل أو أطفال فلسطينيين"، بل ينظرون للشعب الفلسطيني كله كعقبة يجب إزالتها، مستهدفين:تدمير غزة،تهجير سكانها، ابتلاع مزيد من الأراضي الفلسطينية.
ويحذر من أن المشروع الإسرائيلي يمتد إلى رسم قواعد جديدة للشرق الأوسط، بما في ذلك تقسيم
سوريا وابتلاع أراضٍ في
لبنان، ما يعطي المواجهة بعداً إقليمياً.
ويطالب بتحرك مركزي متوازن لدعم السلطة الفلسطينية ومنع تمرير المخطط الإسرائيلي.
خيارات الفلسطينيين بين الواقع والمأمول
الخيار الأساسي أمام الفلسطينيين هو الوحدة الوطنية لمواجهة مشروع الضم والاقتلاع.
لكن تحقيق الوحدة مشروط بتجاوز الحسابات الضيقة والتوافق على برنامج وطني جامع يعيد الاعتبار لمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً وحيداً، وبدعم عربي وإقليمي ودولي.
أما استمرار الانقسام، فسيزيد التفكك ويتيح لإسرائيل فرض وقائع جديدة في غزة أو الضفة أو القدس.
المشهد الفلسطيني اليوم عند منعطف خطير: إسرائيل تسابق الزمن لفرض مشروعها، والولايات المتحدة تغلق الأبواب أمام أي مسار سياسي جدي، والفلسطينيون أمام تحدي وجودهم.
الخيارات واضحة: وحدة الصف لمواجهة المخطط الإسرائيلي، أو الاستمرار في الانقسام مع مخاطر وجودية.
بين خطاب فتح الداعي لوحدة القرار تحت مظلة منظمة التحرير، ورؤية حماس المستعدة للتعاون، يبقى الامتحان في قدرة الفلسطينيين على تحويل الدماء والتضحيات إلى نقطة انطلاق لمسار سياسي وجماهيري يفرض نفسه على العالم.