أعلنت كتائب القسّام، خلال الأيام الماضية، استشهاد مجموعة من أبرز قادتها العسكريين، يتقدّمهم محمد السنوار قائد الأركان، ومحمد شبانة قائد لواء رفح، ورائد سعد قائد ركن التصنيع وقائد ركن العمليات الأسبق، وحكم العيسى قائد ركن الأسلحة والخدمات القتالية، إضافة إلى الناطق العسكري حذيفة الكحلوت، المعروف باسم "أبو عبيدة". وبالتوازي، كشفت القسّام عن تعيين ناطق عسكري جديد احتفظ بالكنية نفسها، في إشارة واضحة إلى استمرارية الدور الإعلامي والمؤسسي، رغم الضربات.
هذا الإعلان لا يُعدّ الأول منذ اندلاع الحرب على غزة في تشرين الأول 2023، إذ سبقه كشف متدرّج عن اغتيال قيادات بارزة، أبرزهم القائد التاريخي محمد الضيف خلال الهدنة.
ومع مرور الوقت، اتّسع نطاق الاستهداف
الإسرائيلي ليشمل ساحات خارج فلسطين، بدءًا باغتيال صالح العاروري في الضاحية الجنوبية لبيروت مطلع كانون الثاني 2024، ثم اغتيال إسماعيل هنية في طهران منتصف العام نفسه، فمقتل يحيى السنوار في رفح، وصولًا إلى قصف اجتماع لقيادات الحركة في الدوحة خلال عام 2025.
هذا التتابع يندرج ضمن سياسة إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى تفكيك البنية القيادية لحركة حماس عبر ضرب الصفين الأول والوسيط، بالتوازي مع تدمير واسع للحاضنة المجتمعية في قطاع غزة. وقد ترافق ذلك مع مجازر جماعية خلّفت أكثر من 70 ألف
شهيد ونحو 10 آلاف مفقود، فضلًا عن دمار شامل للبنية السكنية والخدماتية، في مقاربة تفترض أن سحق البيئة الحاضنة سيقود تلقائيًا إلى إنهاك التنظيم.
في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تقييم واقعي لأثر هذه الموجة غير المسبوقة من الاغتيالات على قدرة حماس على الاستمرار عسكريًا وتنظيميًا وسياسيًا، خصوصًا مع اقتراب استحقاق اختيار قيادة جديدة، في ظل تداعيات حرب "طوفان الأقصى" التي تجاوزت غزة إلى الإقليم.
منهجيا، يستند هذا التقييم إلى أدبيات غربية، أبرزها دراسات أعدّتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية حول "الاستهداف العالي القيمة"، والتي خلصت إلى أن الاغتيالات ليست أداة حاسمة بحدّ ذاتها، بل يتوقف أثرها على طبيعة التنظيم المستهدف وبنيته ومستوى مركزيته وقدرته على الاستخلاف.
وتشير هذه الدراسات إلى أن التنظيمات ذات البنية اللامركزية، كحماس، تميل إلى امتصاص الصدمات عبر إعادة توزيع الأدوار بدل الانهيار.
وعند إسقاط هذه الخلاصات على تجربة حماس، يتبيّن أن سياسة الاغتيالات
الإسرائيلية قد تُحدث ارتباكًا مؤقتًا، وتفرض تشديدًا أمنيًا وتعديلًا في أنماط القيادة، لكنها لا تؤدي بالضرورة إلى تفكيك الحركة. بل إن الضربات المتلاحقة أسهمت تاريخيًا في نقل مركز الثقل من الداخل إلى الخارج، وفي تعزيز الطابع المؤسسي على حساب الشخصنة.
كما يظهر أن استهداف الحاضنة الشعبية يُشكّل عامل ضغط إضافيًا، إذ يُنهك
القاعدة الاجتماعية التي تستند إليها الحركة في التجنيد والدعم، ويجعل عملية التعافي أبطأ وأكثر كلفة. غير أن هذا العامل، وفق التجارب السابقة، لم يُنتج حتى الآن كسرًا نهائيًا للإرادة التنظيمية، بقدر ما فرض تحوّلات في الشكل والتموضع.
تاريخ حماس نفسه يؤكّد هذا المسار. فمنذ اغتيال يحيى عياش عام 1996، مرورًا بتصفية الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي عام 2004، وصولًا إلى موجات الاغتيال خلال انتفاضة الأقصى، أعادت الحركة إنتاج قياداتها عبر آليات مؤسسية، ووسّعت قاعدة القرار، وربطت الشرعية بالمؤسسات لا بالأفراد.
في المقابل، تُظهر التجربة الإسرائيلية أن الاغتيالات غالبًا ما تُنتج مكاسب تكتيكية قصيرة الأمد، لكنها تفشل في تحقيق أهداف استراتيجية بعيدة. فقد أسهمت هذه السياسة، تاريخيًا، في إعادة إنتاج الخصم بدل إنهائه، وفي تحويل القادة المغتالين إلى رموز جامعة، ما عزّز حضور حركات
المقاومة بدل إضعافها.
وعليه، يبدو أن
إسرائيل لا تزال عالقة في مأزق مزمن: إدارة الصراع عبر الاغتيالات من دون القدرة على حسمه. فالتفوّق العسكري، مهما بلغ، لا يعوّض غياب الحلول السياسية، ولا ينجح في إنهاء صراع يستند إلى قضية ذات جذور اجتماعية وسياسية عميقة، بل يعيد إنتاجه بأشكال ومسارات جديدة.
(مواقع إلكترونية + الجزيرة)