منذ الإعلان عن احتجاز الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله خارج البلاد بعملية أميركية، خرج النفط من صفحات الاقتصاد الباردة إلى واجهة القرار السياسي. ففنزويلا ليست مجرد "دولة نفط" بل هي خزنة الطاقة الأكبر على الكوكب من حيث الاحتياطي النفطي المؤكد، بما يناهز 303 مليارات برميل وفق بيانات أوبك وإدارة معلومات الطاقة الأميركية، أي نحو 17 في المئة من احتياطات العالم.
هذا الرقم وحده لا يشرح كل شيء. السر الأهم في نوعية الخام، فمعظم الثروة الفنزويلية يأتي من حزام أورينوكو، وهو نفط ثقيل أو فائق الثقل. هذه الصفة تجعل فنزويلا "مفتاحاً تقنياً" لمصافي محددة، خصوصاً على ساحل الخليج الأميركي التي صُممت تاريخياً لتكرير الخامات الثقيلة، لا الخفيفة فقط. إدارة معلومات الطاقة الأميركية أشارت بوضوح إلى أن مصافي ساحل الخليج الأميركي "مهيأة" للتعامل مع الخام الثقيل الذي تنتجه فنزويلا. هنا تظهر زاوية
ترامب بعد احتجاز مادورو، حيث تحدث عن إدارة أميركية للمرحلة الانتقالية، ولوّح بإمكان فتح الباب أمام شركات النفط الأميركية للاستثمار في إصلاح البنية التحتية النفطية المتدهورة.
الرسالة السياسية تحمل مضموناً اقتصادياً مباشراً وهو إعادة ربط خام أورينوكو بسلسلة الإمداد الأميركية حيث تمنح
واشنطن مرونة أكبر داخل سوق الوقود، وتقلل اعتماد بعض المصافي على بدائل ثقيلة من كندا أو المكسيك أو غيرها حين تضيق الكميات أو ترتفع كلفتها.
لكن لماذا لا تكفي "وفرة النفط الأميركي" وحدها؟ حسب التقارير فإن جزءاً كبيراً من طفرة
الولايات المتحدة جاء من النفط الصخري الخفيف، بينما المشكلة المزمنة ليست فقط في حجم الإنتاج بل في الاستمرارية ونوعية الخام. إدارة معلومات الطاقة الأميركية شرحت أن الآبار الأفقية تعطي إنتاجاً كبيراً في البداية ثم تهبط بسرعة، ما يفرض على المنتجين حفراً متواصلاً لتعويض التراجع. وفي مثال رقمي لافت، تراجع إنتاج الآبار الأقدم بشكل كبير خلال 2024، واضطر القطاع لإدخال آلاف الآبار الجديدة لتعويض الهبوط. ووسط هذا النموذج المكلف، تتحدث توقعات إدارة معلومات الطاقة الأميركية عن انخفاض طفيف في إنتاج النفط الأميركي خلال 2026، وهو ما يعيد الحساسية إلى أي مصدر إضافي يمكنه خدمة المصافي أو تهدئة السوق.
وفي الخلفية أيضاً عامل "الاحتياطي الاستراتيجي" الذي يبقى جزءاً من حسابات الطوارئ، إذ أشارت بيانات أسبوعية منسوبة لإدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن مخزون الاحتياطي النفطي الاستراتيجي كان بحدود 413 مليون برميل في أواخر كانون الأول 2025. أما فنزويلا نفسها، فمشكلتها أن الثروة لا تتحول تلقائياً إلى إنتاج. فالصناعة النفطية تدهورت بسبب سوء الإدارة ونقص الاستثمار والعقوبات، وبأن الإنتاج هبط من مستويات قاربت 3.5 ملايين برميل يومياً في سبعينيات القرن الماضي إلى نحو مليون برميل يومياً مؤخراً، مع تقديرات أخرى تدور حول 900 ألف برميل يومياً.
وتضيف الوكالة أن البنية التحتية "آيلة للتآكل" وأن أي إنعاش كبير سيصطدم بعقود متنازع عليها وديون ومطالبات مالية بمليارات الدولارات، ما يعني أن الطريق طويل حتى لو تغيرت السياسة.
وعلى خط المنافسة الدولية، تبرز
الصين. خلال سنوات
العقوبات اتجه جزء كبير من الصادرات الفنزويلية إلى آسيا، وذلك بسبب الديون الفنزويلية للصين التي تصل إلى 10 مليارات دولار يتم سداد جزء منها عبر شحنات نفط.
لذلك فإن "لماذا يريدها ترامب" لا يتعلق بالبرميل فقط، بل أيضاً بإعادة توجيه التدفقات بعيداً من مشترين آسيويين كانوا يستفيدون من حسومات المخاطر والعقوبات.
من ناحية أخرى، تبرز ثروات فنزويلا خارج النفط، فهي أكبر من صورة "الآبار" وحدها. لدى البلاد احتياطات كبيرة من الغاز الطبيعي، وتقدّر إدارة معلومات الطاقة الأميركية هذه الاحتياطات بنحو 195 تريليون قدم مكعب، ما يعادل 73 في المئة من احتياطات أميركا الجنوبية.
وعلى مستوى المعادن، تشير دراسات إلى وجود رواسب كبيرة من الحديد والبوكسيت، إضافة إلى الذهب والماس ومعادن أخرى، مع إمكانات كهرومائية واسعة.
بهذا المعنى، تبدو فنزويلا في نظر ترامب "حزمة موارد" لا ملفاً نفطياً فقط. نفط ثقيل يناسب مصافي بعينها، وغاز ضخم، ومعادن استراتيجية، وساحة يمكن عبرها إعادة ترتيب نفوذ الطاقة في نصف
الكرة الغربي. لكن بين الإعلان السياسي والنتيجة الاقتصادية مسافة اسمها البنية التحتية والعقود والديون والاستقرار، وهي العناصر التي ستقرر إن كانت الثروة الفنزويلية ستعود كقوة إنتاج فعلاً أم تبقى رقماً هائلاً على الورق.