ترأس الرئيس العام للرهبانية
المارونية المريمية الاباتي إدمون رزق قداس الدنح ليل امس في دير سيدة اللويزة ذوق مصبح.
والقى عظة قال فيها: "ها قد أتى زمنُ الدنحِ، يُكمِّلُ زمنَ الميلاد. وكما بدأ زمنُ الميلادِ بالبشارة، هو أيضًا يبدأ ببشارةٍ تقودنا إلى المخلّص الّذي ينطلِقُ برسالتِهِ العلنيّة. في مساءِ الميلادِ، ظهرتْ جيوشُ الملائكةِ تُبشّرُ الرعيانَ بولادةِ الـمُخلّصِ وقادتهم إلى المغارةِ ليشهدوا هذا الحدث التاريخي. وظهرَ النجمُ يقودُ علماءَ الفلكِ، الملوك المجوس إلى الملكِ العظيمِ الّذي انتظرتهُ الخليقةُ بأسرِها، وأخبرتْ عنهُ النجوم. أمّا اليوم، فالسماءُ تُعلِنُ بصوتِ الله الآب أنّ يسوع هو الابن الّذي يرضيه، وينزلُ الروحُ
القدس عليهِ بشكلِ حمامةٍ" .
واضاف الاباتي رزق: "فلِمَن هذه البشارة وهذا الإعلان؟ من الميلادِ إلى الدنحِ: سرٌّ يخرجُ إلى النور.
فبعدَ تواضعِ المذودِ، وكشفِ سرّ التجسّد للرعاةِ والمجوس، يأتي الدنحُ باعتلانِ سرِّ المسيح ورسالتِه في الوجود إلى الشعبِ اليهوديِّ التائبِ الّذي أتى يعتمدُ على يدِ يوحنّا المعمدان عمادَ التوبةِ. إنّه شعبٌ يؤمنُ بالخلاص وبإرضاءِ الله. ويأتي صوتُ الآبِ يُعلنُ بنُوّةَ يسوع لهُ واعتزازَهُ به. يقول البابا القدّيس يوحنا بولس الثاني: "في يسوع، الابنِ الوحيد للآب، يكشف الله عن ذاته كشفًا كاملًا، ويُشرك في حياته كلَّ إنسانٍ يعترف به مخلِّصًا." إذًا، إنَّ الدنح يأتي ليكشف معنى الميلاد: لماذا وُلد هذا الطفل؟ وما هي رسالتُهُ في العالم؟".
وتابع: "هنا نفهم نبوءة حزقيال: من وعدِ التجديد ِإلى بدايتِهِ العلنيَّة.
فاللهُ في القراءةِ الأولى التي سمعنها للنبي حزقيال، يعطينا وعدَ ولادةٍ جديدة: " أعطيكم قلبًا جديدًا، وأجعلُ روحًا جديدةً في داخلِكم".
عندما يدخلُ يسوعُ مياهَ الأردنِّ، نراهُ يُعطي العمادَ معنىً في الولادةِ الجديدة: ينزلُ يسوع إلى المياه كإنسانٍ يحملُ ضُعفَه، هو الكاملُ المساويّ للهِ في الجوهرِ، يُدشِّنُ زمنَ القلبِ الجديد. ويُعطي الدِّنحَ معناهُ في ولادةٍ جديدةٍ علنيّة: الدنحُ هو لحظةُ انتقالِ الوعدِ من النبوءةِ إلى الواقعِ، ومن الانتظارِ إلى البدايةِ الفعليّة في مسيرةِ الخلاص.
أمّا رسالةُ بولس إلى تلميذه تيطس فتُكلّمُنا عن ظهورِ النعمةِ: من الخفاء إلى الشمول: يقولُ " لقد ظهرتْ نعمةُ الله المخلِّصَةُ لجميعِ الناس". وكلمةُ «ظهرت» هي جوهر الدنح. وهذا الظهورُ، هو ما نرجوهُ في واقعِنا الحاضر. هذه النعمةُ التي ظهرت هناك
في الأردن، لا تزالُ تظهرُ اليوم،
لكنَّ المأساةَ هي أنَّ نورَ العالم، يسوعَ المسيح، لا يزالُ مجهولاً من الكثيرين. فالعالمُ يريدُ التقدُّمَ بدون يسوع، يبحثونَ عن كلِّ ما يعتبرونهُ خيرًا وحقًّا وجمالاً بعيدًا عن الله. ولا يدركونَ بأنَّ الفرحَ الثابتَ والمثمرَ هو بالإيمانِ الصادقِ الواعي، الّذي يعترفُ بالثالوثِ الأقدس: آبًا وابنًا وروحًا، ويقرُّ بالتجسّد الإلهي وسرِّ الفداء.
على ضفاف
الأردن تجلّى الثالوث الإلهي، واعتلنت بنوّةُ الابنِ الّتي تؤكّدُ بنوةَ الإنسان في علاقةٍ ترضي الله.
أمّا كلمةُ الإنجيل، فتأتينا بإعلانِ هويَة المسيحِ ورسالتِه مِن يوحنّا المعمدان، النبيّ الّذي أتى ليُعلنَ مجيئَ المخلّصِ وتحقيقَ النبؤات، هو الّذي أخبرَ عنه، " كانَ قبلهُ وسيأتي بعدَهُ"، هو نفسهُ ابنُ أليصابات، الّذي عمَّدَهُ يسوع وهو في حشا أمّه حين زارَتْها مريمُ الحاملة بهِ. اليومَ، هو يشهدُ لهُ : ابنَ اللهِ ورسولَهُ الـمُنتظر، حسبَ ما يوحيهِ له الروحُ القدس".
وقال: " في الأردن، تنفتح السماء ويُعلَن السرّ: "أنت ابني الحبيب، بكَ رضيت". وهذا الإعلان لا يخصُّ يسوعَ وحده. فكما يتأمَّلُ القدّيس يوحنّا بولس الثاني: "في المسيح، يُشرِكُ اللهَ كلَّ إنسان في حياته". فالدنحُ يكشفُ لنا مَن هو يسوع، ومن نكونُ نحنُ بالإيمانِ بهِ؛ كلُّ معمَّدٍ هو ابنٌ محبوب، مدعوٌّ أن يعيشَ هذه البنوَّةِ في العَلَنِ.
وهنا، فإنَّ الدنحَ يصبحُ نداءً كنسيًّا ورسوليًّا: أن نشَرِّعَ أبوابَ قلوبِنا دونَ خوفٍ ليسوعَ المسيح، فيشعَّ من خلالِنا: في إيمانِنا، في رجائنا، في محبّتِنا. أليس يسوعُ النورَ الّذي يبدّدُ الظلماتِ؟ والحبُّ الّذي يشفي الوِحدَةَ، والحقُّ الّذي يحرّرُ الإنسان؟
" كم هو ملحٌّ أن نشهدَ بفرحٍ للرسالةِ الوحيدةِ للخلاص، القديمةِ والمتجدّدةِ دائمًا: رسالة إنجيلِ الحياة والنور، الرجاء والمحبة."
وختم الاباتي رزق: "عيدُ الدنح هو دعوةٌ: ألا نُبقيَ المسيحَ في المذود، ولا الإيمانَ في الخفاء، بل لنغتسلْ بعمادةِ التوبة، فنقدرَ أن نسمعَ صوتَ الآب ويرشِدَنا الروحَ القدس إلى المخلّصِ وطريقِ الخلاص. فيظهرَ النورَ في حياتِنا، وفي خياراتِنا، وفي شهادتِنا اليومية. إنّ إلهَنا هو أبٌ يريدُنا قريبين منه دائمًا وأبدًا. خلَقنا بالحبِّ وإلى حبِّهِ نحنُ مدعوّونَ دائمًا. فهل نتردّدُ أن نكونَ أبناءَ حبٍّ ووفاءٍ للدائمِ حبُّه ورأفتُه وأبوّتـُه أبدًا؟ " الدّايم دايم" ! آمين".