سلّط تقرير لمجلة "فورين بوليسي" الضوء على محاكمة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس أمام محكمة في نيويورك، واصفًا إياها بأنها واحدة من أكثر
القضايا الجنائية تعقيدًا وإثارة للجدل في تاريخ
القضاء الأميركي ضد زعيم أجنبي. فالقضية لا تختبر فقط حدود القانون الأميركي، بل تضع مبدأ السيادة وقواعد القانون الدولي أمام امتحان حقيقي، وسط تحذيرات خبراء من أنّ المحاكمة قد تمثّل سابقة خطيرة.
القضية التي انطلقت في المحكمة الفيدرالية للمنطقة الجنوبية من نيويورك، تتقاطع بشكل مباشر مع حسابات إدارة الرئيس الأميركي
دونالد ترامب في ولايته الثانية. ويرأس هيئة المحكمة القاضي المخضرم ألفين هيلرستين، المعروف باستقلاليته وبأحكام سابقة قيّدت سياسات
ترامب، وقد تعهّد بمنح مادورو محاكمة عادلة، فيما يتولى الادعاء مكتب المدعي العام في نيويورك بقيادة جاي كلايتون، مدعومًا بفريق شارك في إعداد لائحة الاتهام الأصلية عام 2020.
أما الدفاع، فيقوده المحامي الأميركي الشهير باري بولاك، الذي اشتهر بدفاعه عن مؤسس ويكيليكس جوليان أسانج وأسهم في إطلاق سراحه من السجون
البريطانية. في المقابل، يتولى مارك دونيلي، المسؤول السابق في وزارة العدل الأميركية، الدفاع عن سيليا فلوريس.
وبحسب لائحة الاتهام، يواجه مادورو أربع تهم رئيسية تشمل التآمر على ما تسميه
واشنطن "الإرهاب المرتبط بالمخدرات"، والتآمر لاستيراد الكوكايين، وحيازة أسلحة رشاشة ومواد تدميرية، والتآمر على حيازتها. كما تتهمه النيابة بالتعاون مع جماعات مسلحة كولومبية مثل "فارك" و"إلن"، ومع عصابات مكسيكية أبرزها "كارتل سينالوا"، إضافة إلى عصابة "
ترين دي أراغوا" الفنزويلية. وفي حال الإدانة، قد يواجه مادورو عقوبة السجن مدى الحياة.
أما زوجته فلوريس، فتواجه اتهامًا بتلقي رشوة عام 2007 لترتيب لقاء بين تاجر مخدرات كبير ومدير المكتب الوطني لمكافحة المخدرات في كاراكاس. وتشير المجلة إلى أن هذه الاتهامات تشكّل امتدادًا لملف "كارتل الشمس" الذي فُتح عام 2020 ضد مادورو ومقرّبين منه.
غير أنّ هذه القضية لا تخلو من الشكوك. فخبراء قانون دولي يرون أن ملاحقة رئيس دولة ذات سيادة أمام القضاء الأميركي تنتهك قواعد القانون الدولي، فيما يشكك آخرون في امتلاك الادعاء أدلة مباشرة كافية تربط مادورو شخصيًا بعمليات تهريب المخدرات، خاصة في ظل التناقض بين الخطاب السياسي الأميركي الذي يبرّر التحرك ضد فنزويلا بذريعة
الديمقراطية وحقوق الإنسان، وبين طبيعة التهم التي تقتصر على جرائم جنائية تقليدية.
ومع تحديد آذار المقبل موعدًا للجلسة التالية، تبقى الأسئلة مفتوحة حول قانونية هذه المحاكمة وحدود الأدلة التي سيتمكن الادعاء الأميركي من تقديمها في قضية قد تعيد رسم الخطوط الفاصلة بين القضاء والسياسة في النظام الدولي.