تتجه الأنظار إلى شكل الإدارة المؤقتة التي يُفترض أن تتسلّم مقاليد الحكم في
قطاع غزة، وسط تساؤلات متزايدة حول حدود صلاحياتها، وطبيعة مهمتها، والغاية السياسية من إنشائها، مع اقتراب الوسطاء من دفع مسار وقف النار نحو مرحلته الثانية.
ورغم الغطاء الأميركي والعربي الذي يرافق هذا التوجّه، تصطدم الخطة بعراقيل إسرائيلية واضحة، في ظل رفض
تل أبيب أي عودة للسلطة
الفلسطينية إلى القطاع. وفي هذا السياق، تستعد الفصائل الفلسطينية لعقد اجتماع في القاهرة خلال أيام لبحث تشكيل لجنة تكنوقراط تتولى إدارة غزة، وفق ما كشفه الوسيط الفلسطيني–الأميركي بشارة بحبح.
المحللة السياسية ريهام عودة ترى أن هذه الإدارة ليست مجرد ترتيب إداري، بل جزء من مسار تقوده
واشنطن لسحب صلاحيات الحكم تدريجياً من حكومة
حماس، وفرض مرحلة انتقالية تُستخدم لترتيب المشهد الفلسطيني تمهيداً لانتخابات عامة تفرز حكومة موحدة للضفة وغزة.
وتؤكد عودة أن اللجنة المرتقبة ستُكلَّف بضبط الفوضى في الصلاحيات الحكومية، وإدارة الملفات المدنية والإنسانية، من التعليم والصحة إلى المساعدات والإغاثة، لكنها ستواجه اختباراً حساساً يتمثل في مدى استعداد حماس للتعاون معها وتسليمها فعلياً مفاتيح الإدارة.
وتشير إلى أن قدرة هذه الإدارة على العمل لن تُقاس فقط بالغطاء السياسي، بل بقدرتها على توفير كوادر إدارية قادرة على تسيير مؤسسات قطاع مدمَّر، وبقدرتها على تأمين الموارد المالية اللازمة لدفع الرواتب وتغطية النفقات التشغيلية في ظل انهيار البنية الحكومية.
غير أن العقدة الأخطر، وفق عودة، تبقى في الملف الأمني. فحماس لا تزال تمسك بالأجهزة الأمنية والشرطية، وأي محاولة لانتزاع هذا الدور أو ربطه بمطلب نزع السلاح قد تفجّر صداماً مباشراً مع الحركة. وفي المقابل، فإن استيعاب عناصرها داخل الإدارة المؤقتة قد يصطدم برفض إسرائيلي ودولي، ما يضع اللجنة أمام مأزق سياسي وعملي في آن واحد.
أما المحلل إياد جودة فيرى أن هذه الإدارة ليست سوى حلقة في ترتيبات أعمق تهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية الفلسطينية، عبر ترسيخ الفصل بين غزة والضفة، بل وحتى إعادة تقسيم غزة نفسها إلى كيانات وظيفية، في إطار هندسة سياسية جديدة تُدار من الخارج.
ويحذّر جودة من أن أي إدارة تُفرض خارج الإطار الفلسطيني الشرعي، المتمثل بمنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، ستُفاقم الانقسام بدل معالجته، وتخدم عملياً الرؤية
الإسرائيلية الساعية إلى تفكيك وحدة الأرض والتمثيل الفلسطيني.
وبرأيه، فإن أي حديث جدي عن
إعادة الإعمار والاستقرار يجب أن يمر أولاً عبر إعادة توحيد الجغرافيا السياسية الفلسطينية، لا عبر خلق هياكل مؤقتة تعمّق واقع الفصل وتؤسس لمرحلة جديدة من الوصاية المقنّعة.