ذكرت صحيفة "The Washington Post" الأميركية أنه "مع اقتراب وصول مجموعة حاملات طائرات أميركية إلى
الشرق الأوسط نهاية هذا الأسبوع، سيُقرر الرئيس الأميركي
دونالد ترامب قريبًا خطوته التالية تجاه
إيران. لكن قبل ذلك، عليه أن يُجيب على سؤالٍ مُحير: هل إيران دولة متعددة الأعراق أم إمبراطورية فارسية؟ فحتى الإيرانيون أنفسهم لا يستطيعون الإجابة بشكلٍ قاطع".
وبحسب الصحيفة، "يقدم التاريخ تحذيراً، فلطالما قدمت يوغوسلافيا نفسها كدولة تعددية متعددة الأعراق، وقد تبنى العديد من اليوغوسلافيين هذه الهوية بصدق، ولكن عندما انهار النظام في أوائل التسعينيات، تلاشت هذه الهوية بين عشية وضحاها تقريباً. كان الناس يُعرّفون أنفسهم باليوغوسلافيين في يومٍ ما، ثم استيقظوا في اليوم التالي ليجدوا أنفسهم صربًا أو كرواتًا أو بوسنيين، وقد تستمر هذه التصنيفات لعقود، إلى أن تتغير فجأة. في يوغوسلافيا، شكّل الصرب المهيمنون نحو 36% من السكان. أما في إيران، فيشكّل الفرس نسبة أكبر، لكنهم على الأرجح لا يزالون أقلية، وقدّرت دراسة حكومية إيرانية أجريت عام 2010 نسبتهم بـ 47%".
وتابعت الصحيفة، "تزيد الجغرافيا العرقية لإيران من حدة التوتر، فيهيمن الفرس على الهضبة الوسطى المحيطة بطهران وأصفهان، وتتركز الأقليات السكانية على طول الحدود، أو بالأحرى على جانبيها، وتربطها اللغة والثقافة والتاريخ بمجتمعات تقع على الجانب الآخر من الحدود. ويتجمع الأذربيجانيون في
الشمال الغربي على طول أذربيجان وتركيا، ويواجه الأكراد في الغرب المناطق الكردية في العراق وتركيا، ويتطلع العرب في الجنوب الغربي الغني بالنفط نحو العراق، ويرتبط البلوش في الجنوب الشرقي بأقاربهم في باكستان وأفغانستان، ويشكل التركمان في الشمال حدود تركمانستان. لذا، فإن للدول المجاورة مصلحة مباشرة في كيفية إدارة إيران لتنوعها، أو فشلها في إدارته. وهناك جارة واحدة تكتسب أهمية أكبر من غيرها: أذربيجان".
وأضافت الصحيفة، "يوجد في إيران عدد من الأذربيجانيين العرقيين يفوق عددهم في أذربيجان نفسها. ووفقًا لدراسة حكومية إيرانية، يشكل الأذربيجانيون نحو 23% من سكان إيران، ويتركزون في منطقة جغرافية متصلة. ورغم أن الأذربيجانيين اندمجوا في الدولة
الإيرانية بشكل أفضل من أي أقلية أخرى، إلا أن بوادر الاستياء تتزايد، ويتزايد استهلاكهم للإعلام التركي والأذربيجاني، ويُبدون اهتمامًا متزايدًا بجذورهم التركية الأذربيجانية، ويطالبون بالتعليم بلغتهم الأم، وليس من الصعب فهم السبب، فتركيا وأذربيجان تتمتعان بمستوى تنمية أوروبي، بينما تعاني الجمهورية الإسلامية من فشل اقتصادي وعزلة. في آخر مرة أعادت فيها إيران تنظيم نفسها، خلال ثورة 1979، كانت أذربيجان محاصرة داخل الاتحاد السوفيتي. وبعد الاستقلال، ظلت ضعيفة، غارقة في حربها مع أرمينيا، وغير مؤثرة إلى حد كبير على التوازن الداخلي لإيران".
وبحسب الصحيفة، "لم يعد الوضع كذلك. اليوم، تُعدّ أذربيجان قوة إقليمية صاعدة، تمتلك جيشًا بمستوى حلف الناتو، وعلاقات وثيقة مع تركيا، وشراكة أمنية متينة مع
إسرائيل، وفي حال نشوب صراع داخلي عنيف في إيران، قد تجد أذربيجان نفسها مضطرة للتدخل لحماية حلفائها، وربما بدعم
تركي. إن التشرذم العرقي في إيران ليس أمراً محسوماً، لكن الاحتمال وارد ولا يمكن لواشنطن تجاهله، وأفضل سبيل للمضي قدماً هو عدم التمسك بافتراضات كثيرة، سواء كانت إيجابية أم سلبية، حول شكل إيران في حال انهيار النظام الحالي. وبالنسبة لصناع السياسة
الأميركيين، قد يكون الرهان على إيران مستقرة ومركزية محفوفًا بالمخاطر تمامًا كالرهان على التفتت، ويكتسب هذا الحذر أهمية خاصة الآن، نظرًا لظهور حركة قوية في واشنطن، وبين بعض أفراد الجالية الإيرانية في الخارج، تدعو إلى الاعتراف برضا بهلوي، نجل شاه إيران الذي أُطيح به عام 1979، ممثلًا للأمة الإيرانية. جاذبيته حقيقية، لكن شرعيته محل جدل، وينظر إليه الكثيرون من الأقليات العرقية في إيران كرمز للشوفينية الفارسية لا للوحدة الوطنية، والإيرانيون الأذربيجانيون ليسوا استثناءً. إن رفع شخصية واحدة كرمز لإيران يُنذر بتسوية داخلية لم يتوصل إليها الإيرانيون أنفسهم بعد".
وتابعت الصحيفة، "هناك سيناريو يُقلق الأذربيجانيين. في هذه الرؤية، يسقط آية الله علي خامنئي، لكن النظام يبقى، ينجو الحرس الثوري الإسلامي من المرحلة الانتقالية، ويتخلى عن طابعه الديني، ويعود ليظهر كقوة مُنفذة لديكتاتورية قومية فارسية، مُرحباً ببهلوي كشخصية رمزية، بينما يحتفظ بالسلطة الحقيقية من وراء الكواليس. قد يبدو استبدال بهلوي بخامنئي جذابًا في واشنطن: إعدام نظيف للزعيم، وإنهاء للبرنامج النووي، واعتدال ظاهري دون فوضى تغيير النظام، لكن بالنسبة للأقليات الإيرانية، سيُعتبر هذا في أحسن الأحوال استمرارًا للنظام، وربما شيئًا أسوأ بكثير، فالحكومة التي تعتمد على القومية الفارسية لتبرير نفسها قد تتحول سريعًا إلى حكومة أكثر قمعًا".
وختمت الصحيفة، "يبقى ما إذا كانت إيران أمة متعددة الأعراق أم إمبراطورية فارسية أمراً مجهولاً، بل وسيظل كذلك إلى أن تجبر الأحداث على كشف الحقيقة، وقد تُشعل خطوات ترامب المقبلة، سواء أكانت شنّ ضربات أو فرض عقوبات أو التفاوض، فتيل هذه العملية. ينبغي على واشنطن التشاور على نطاق واسع مع الإيرانيين من كل الخلفيات العرقية، وكذلك مع قادة المنطقة الذين سيواجهون تبعات الأزمة المقبلة، ولا سيما الرئيس إلهام علييف في باكو، عاصمة أذربيجان. لكن قبل كل شيء، ينبغي على ترامب أن يمتنع عن تنصيب خلفاء له في إيران، وأن يضع سياسة قائمة على عدم اليقين لا على الاستقرار، في الواقع، ستكون فترة مضطربة".