ذكر موقع "The National Interest" الأميركي أن "هذا الشهر، خرج الشعب
الإيراني مجدداً إلى الشوارع للاحتجاج من أجل حياة أفضل ضد الجمهورية الإسلامية. وفي الأيام الأولى للاحتجاجات، وقبل أن تشن الحكومة حملة قمع عنيفة أودت بحياة الآلاف، إن لم يكن عشرات الآلاف، من المتظاهرين، كان يُسمع كثيراً بين المراقبين والمعلقين أن "نهاية" النظام باتت وشيكة، وأن
إيران على أعتاب الحرية. ومع اتضاح حجم المجزرة داخل
إيران، بات جلياً أن السلطات الحالية في إيران قد فقدت شرعيتها تماماً، معتمدةً فقط على القوة الغاشمة والترهيب للبقاء في السلطة. ولكن وسط هذه الفوضى، يبقى سؤال واحد بلا إجابة: ما هي البدائل المتاحة فعلياً للجمهورية الإسلامية؟ وبعد سقوط المرشد الأعلى الإيراني على خامنئي والحرس الثوري، من سيحكم إيران "الحرة"؟"
وبحسب الموقع، "في الواقع، إن الحقيقة الأساسية وراء استمرار الديكتاتورية الدينية ليست مجرد استعدادها لارتكاب مجازر جماعية للبقاء في السلطة، بل عجز المعارضة
الإيرانية المنقسمة عن تحديها بشكل فعّال. تعارض الغالبية العظمى من الإيرانيين، سواء داخل البلاد أو في الشتات، النظام الإيراني، لكنّ المشاعر المعادية للنظام تتخذ أشكالاً عديدة. فالإيرانيون المعارضون لخامنئي منقسمون على أسس الهوية والتاريخ والحدود واللغة والدين والطبقة الاجتماعية، بل وحتى على أساس معنى كلمة "إيران" نفسها".
وتابع الموقع، "يقود رضا بهلوي، نجل الشاه محمد رضا بهلوي، إحدى أقوى حركات المعارضة وأوسعها انتشارًا ضد الجمهورية الإسلامية، وهناك دلائل واضحة على تمتعه ببعض الدعم داخل إيران. بالطبع، أمضى الشاه المنتظر معظم حياته في
الولايات المتحدة، ومؤهلاته لحكم دولة يبلغ تعداد سكانها 90 مليون نسمة غير مؤكدة على الإطلاق. ومع ذلك، يُعدّ بهلوي ربما الخيار الأنسب لخلافة الحكومة الدينية، وقد أبدى استعداده لتولي قيادة مؤقتة خلال المرحلة الانتقالية نحو الديمقراطية. وبهذا المعنى، يُمكنه أن يقود جبهة موحدة. إن العقبة الرئيسية أمام تشكيل مثل هذه الجبهة هي البيئة المؤيدة للملكية الصاخبة المحيطة ببهلوي. لقد تحدث الأخير عن ضرورة الديمقراطية، وأكد أنه إذا عاد ملكًا لإيران، فسيكون ذلك على أساس ملكية دستورية، ومع ذلك، أوضح أشد مؤيديه حماسةً أنهم يتصورون حكمه كإعادة للملكية المطلقة التي كانت سائدة في إيران قبل عام 1979. إن رفض بهلوي النأي بنفسه عن أنصار هذه المواقف يُعدّ مؤشراً خطيراً، كما أن معسكره معروفٌ بافتعال المشاكل مع أعضاء المعارضة الآخرين. لهذا السبب، غالباً ما يخشى الإيرانيون غير الملكيين
التيار الملكي باعتباره حركة استبدادية متخفية وراء ستار معاداة النظام. فإذا كان الملكيون يعاملون كل من يعارض آراءهم كخائن في المنفى اليوم، فكيف سيعاملون الفيدراليين واليساريين والأكراد والبلوش والعرب والأقليات الدينية داخل إيران إذا ما عادوا إلى السلطة؟"
وأضاف الموقع، "أما الحركة المعارضة الإيرانية الرئيسية الأخرى في المنفى فهي منظمة مجاهدي خلق، والمعروفة في الغرب باسم المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، وهي أيضاً غير مقبولة لدى غالبية الإيرانيين. بدأت منظمة مجاهدي خلق كحركة يسارية إيرانية ذات أفكار إسلامية، وتحت قيادة الزعيم الطلابي مسعود رجوي، نفذت المنظمة تفجيرات داخل إيران، أولاً ضد الشاه ثم ضد الخميني. وبعد حظرها داخل إيران عام 1981، عقدت تحالفاً مع صدام حسين خلال الحرب العراقية الإيرانية، وأنشأت قواعد عسكرية في العراق استخدمتها لشن هجمات على القوات الإيرانية. لهذا السبب، لا تملك منظمة مجاهدي توفير أي فرصة تُذكر لبناء حركة جماهيرية داخل إيران. أما خارج إيران، فقد اكتسبت المنظمة بعض النفوذ، إذ استضافت سياسيين غربيين بارزين في مؤتمراتها، وحصلت على دعم الكونغرس الأميركي لخطة النقاط العشر لتشكيل حكومة ما بعد الجمهورية الإسلامية. مع ذلك، فقد واجهت المنظمة انتقادات مستمرة بسبب هيكلها وممارساتها الشبيهة بالطقوس السرية. بسبب هذه الخلافات، لا تحظى منظمة مجاهدي خلق بتأييد يُذكر في أوساط المعارضة الأوسع، التي تنظر إليها على أنها مشكوك في نزاهتها وغير جديرة بالثقة".
وبحسب الموقع، "ثم يأتي الانفصاليون، أو بالأحرى، الطيف الذي يتراوح بين دعاة اللامركزية والفيدراليين وحركات الاستقلال بين الجماعات العرقية غير الفارسية على أطراف إيران. وقد جادل ناشطون من الأقليات الإيرانية، من أذريين وعرب وأكراد وبلوش وغيرهم، بأن الدولة الإيرانية الحديثة، سواء في عهد الشاه أو الجمهورية الإسلامية، قد بُنيت على استيعابهم القسري. إيران دولة متعددة الأعراق، ويميل صناع السياسات الغربيون إلى تبني نظرة فارسية مركزية للبلاد، حيث ينظرون إلى "إيران" كوحدة جغرافية واحدة، وقد جادل نشطاء الأقليات بأن هذا التوجه يجعل الوحدة الجغرافية الإيرانية أهم من احتياجات الأقليات داخل حدودها، ويزعمون أن مشروع الهوية الحديثة في إيران لا يضر فقط بالأقليات في البلاد، بل هو أقدم بكثير من الجمهورية الإسلامية، ومن غير المرجح أن يُحلّ بإسقاطها. وبدلاً من ذلك، يقترحون أن الحل الوحيد
الطويل الأمد هو إنشاء أقاليم مستقلة داخل إيران تتناسب مع تنوعها العرقي. وسواء اتفق المرء مع هذا التيار المعارض أم لا، فإنه يعكس واقعًا سياسيًا داخل إيران: فالعديد من المجتمعات غير الفارسية لا تعتبر قمع الجمهورية الإسلامية ظاهرة جديدة، بل مجرد تجلٍّ جديد لدولة مركزية لطالما عاملتهم كرعايا لا كشركاء. وليس من المستغرب أن تجد هذه الجماعات المعارضة نفسها في صراع ليس فقط مع الحكومة الدينية، بل أيضًا مع الملكيين ومنظمة مجاهدي خلق، الذين شدد كل منهم على أهمية الحفاظ على وحدة أراضي إيران وقمع النزعات الانفصالية في المناطق النائية".
وتابع الموقع، "مع هذه الانقسامات الهائلة التي تواجه معارضي الجمهورية الإسلامية، تتضح الأزمة الحقيقية: إذا انهار النظام، فأي فصيل يملك الشرعية لملء الفراغ؟
والحقيقة هي أنه في الوضع الراهن، لا أحد يملكها. فلو حدث انتقال سياسي بعد سقوط النظام، وملأت الفراغ إحدى هذه الفصائل التي تضم أعدادًا كبيرة من المنفيين، فان إيران ستقع ضحية عدم الاستقرار على الفور تقريبًا. من الضروري فهم أن جماعات الشتات الإيراني الحالية ليست مجرد فصائل سياسية، بل هي أيضاً مشاريع هوية مجروحة. فالملكيون يناضلون من أجل "عصر ذهبي" ضائع، فرص عودته ضئيلة، وفي الحقيقة، لم يكن ذهبياً بالمعنى الحقيقي للكلمة أصلاً. وتزعم منظمة مجاهدي خلق أنها تناضل من أجل انتقال ديمقراطي في بلد ينظر إليها بأغلبية ساحقة على أنها حركة عميلة ولن يمنحها السلطة عبر صناديق الاقتراع. في المقابل، تناضل فصائل انفصالية من أجل استقلال عرقي لا يؤيده معظم الإيرانيين. ولن تُحل أي من هذه التناقضات بمجرد انهيار النظام، بل على العكس، فإن سقوط الجمهورية الإسلامية والفراغ السلطوي الناتج عنه لن يؤدي إلا إلى تأجيجها".
وأضاف الموقع، "لذا، أعرب العديد من خبراء السياسة في الغرب عن مخاوفهم من أن تتحول إيران ما بعد الجمهورية الإسلامية إلى سيناريو مشابه لما حدث في العراق أو أفغانستان في حال انهيار النظام. وهذا الخوف مفهوم، فمن المرجح أن يؤدي انتقال السلطة إلى جماعة واحدة في المنفى، سواء كانت ملكية أو تابعة لمنظمة مجاهدي خلق، إلى غرق إيران في أزمة، إذ ستنظر قطاعات واسعة من البلاد إلى ذلك على أنه استيلاء أجنبي لا تحرير، وسيزيد البعد الدولي من حدة الوضع، حيث قد تحاول جماعات المعارضة في المنفى، التي أُقصيت عن السلطة عبر الوسائل السلمية، الاستيلاء عليها بالقوة".
وبحسب الموقع، "لا ينبغي تفسير أي من هذا على أنه إشارة إلى أن الإيرانيين يكرهون الديمقراطية بطبيعتهم، أو أن السلطات الحاكمة الحالية يجب أن تبقى في السلطة، لكن الشرعية الشعبية لخلافتهم لا تنبع من تسجيل مقاطع فيديو والظهور في
وسائل الإعلام الخارجية، كما يفعل العديد من قادة المعارضة الآن، إنما تنبع الشرعية من الثقة الحقيقية داخل البلاد، ومن الشبكات المحلية التي كانت الأكثر صراحة في معارضة النظام، ومن قيادة يعرفها الإيرانيون ويثقون بها بحكم تجربتهم المشتركة في الشارع. لهذا السبب، يجب أن تتمحور أي رؤية جادة لما بعد الجمهورية الإسلامية حول المعارضة الحقيقية داخل إيران، مع ترتيب انتقالي تشكله القوى الداخلية، مبني على ضمانات ضد عمليات القتل الانتقامية، وحماية الأقليات، وخطة واضحة لمنع الفصائل المسلحة، سواء كانت متمركزة داخل إيران أو خارجها، من اختطاف اللحظة".
وختم الموقع، "باختصار، السؤال الجوهري الذي يجب على الإيرانيين الإجابة عنه ليس فقط ما إذا كانت الاحتجاجات قادرة على إسقاط الجمهورية الإسلامية، بل ما نوع الثقافة السياسية التي ستحل محلها. لكن ثمة أمرٌ واضح: إذا أرادت إيران أن تبقى متماسكة ومستقرة سياسياً بعد سقوط النظام الديني، فلن يتحقق ذلك بإنكار الخلافات السياسية، بل من خلال التعددية الحقيقية وقواعد تحمي المعارضين السياسيين من ممارسات الدولة العدوانية، وإلا، فلن يُملأ الفراغ، وسيستمر العنف، وسيظل الشعب الإيراني يعاني طويلاً بعد زوال الجمهورية الإسلامية".