ذكر موقع "Responsible Statecraft" الأميركي أن "تغيير مبررات الحرب ليس علامة جيدة على الإطلاق، وهو يشير بقوة إلى أن الحرب المعنية لم تكن مبررة. في حرب فيتنام، تم استبدال المبرر العام
الرئيسي لإنقاذ فيتنام الجنوبية من الشيوعية في أذهان صانعي الحرب بالاعتقاد بأن
الولايات المتحدة يجب أن تستمر في القتال للحفاظ على صدقيتها. وفي حرب العراق، عندما انهارت حجة الرئيس جورج دبليو بوش قبل الحرب بشأن أسلحة الدمار الشامل، تحول إلى منطق يتمحور حول جلب الحرية والديمقراطية إلى العراق.
والآن، مع تهديد الرئيس دونالد ترامب بشن هجوم مسلح جديد على إيران وسط حشد للقوات الأميركية في المنطقة، يصف كتّاب صحيفة "واشنطن بوست" بشكل مناسب الأساس المنطقي لأي هجوم من هذا القبيل بأنه "غير مستقر"، ويتساءلون: "ما هي المهمة؟"
وبحسب الموقع، "ثمة سؤال ذو صلة حول التهديد الأخير بمهاجمة إيران وهو: "لماذا الآن؟" كانت الشرارة الأولى التي دفعت ترامب للحديث عن هذا الموضوع خلال الشهر الماضي هي الاحتجاجات الجماهيرية في إيران التي بدأت في السوق الكبير في طهران في أواخر كانون الأول وانتشرت بسرعة في المدن الإيرانية خلال الأسبوعين التاليين. وحث ترامب الإيرانيين على "مواصلة الاحتجاج" ووعد بأن "المساعدة في طريقها"، وقد أدى هذا الخطاب إلى توقعات واسعة النطاق، لا سيما داخل إيران، بأن العمل العسكري الأميركي بات وشيكاً. في الواقع، لم يحدث مثل هذا الإجراء، وربما يكون السبب الوجيه لعدم حدوثه هو صعوبة تحديد أهداف للهجوم العسكري من شأنها أن تساعد المتظاهرين أكثر من أن تؤذيهم. فإذا كان نظام ما يقتل مواطنين أبرياء في الشارع، فلا توجد أي وسيلة يمكن لقوة عسكرية خارجية أن تبتكرها لتمييز المسلحين عن الأبرياء في ذلك الشارع".
وتابع الموقع، "إن القمع الوحشي الذي شنه النظام الإيراني لإخماد الاحتجاجات له تبعات عديدة، أولها شعور الإيرانيين بالخيانة، أولئك الذين شجعهم ترامب على المخاطرة بحياتهم بالاحتجاج دون تقديم أي مساعدة كان من المفترض أنها "في الطريق". أما المغزى الآخر فهو أنه في غياب احتجاجات مستمرة، فإن الصلة بين أي عمل عسكري أميركي وتغيير سياسي إيجابي داخل إيران ستكون أضعف مما كانت عليه قبل شهر. الإيرانيون، كالأميركيين أو أي جنسية أخرى، قادرون على التمييز بين مظالمهم الداخلية والعدوان الخارجي. إن أي هجوم إسرائيلي أو أميركي مفاجئ آخر يُهدد بتعزيز النظام الإيراني سياسياً، إذ يُتيح له استغلال المشاعر الوطنية والقومية. وتُطالب تصريحات قادة إصلاحيين بارزين، مثل رئيس الوزراء السابق مير حسين موسوي ورئيس البرلمان السابق مهدي كروبي، بتغيير دستوري شامل، وترفض في الوقت عينه التدخل الأجنبي، بما في ذلك التدخل العسكري".
وأضاف الموقع، "ثمة رأي آخر مفاده أنه مع ضعف النظام الإيراني الحالي، على الأقل كما كان عليه الحال لسنوات، فإن هجوماً مسلحاً من الخارج قد يشكل ضغطاً إضافياً كافياً لتسريع انهياره، لكن فكرة أن الجمهورية الإسلامية على وشك السقوط قد طُرحت مراراً وتكراراً، بما في ذلك خلال جولات سابقة من الاحتجاجات. علاوة على ذلك، فإن الكلمة المفتاح هي "الانهيار"، بكل ما تحمله من دلالات في ما يتعلق بعدم اليقين بشأن ما سيحدث لاحقاً، وقد بدا أن
وزير الخارجية ماركو روبيو يُقرّ بهذا الغموض عندما سُئل في جلسة استماع بمجلس الشيوخ الأسبوع الماضي عما سيحدث إذا سقط النظام الإيراني، فأجاب: "هذا سؤال مفتوح". في الحقيقة، تفتقر المعارضة الإيرانية إلى قيادة وهيكل موحدين جاهزين لتولي السلطة، على غرار الحركة التي قادها آية الله روح الله الخميني والتي أطاحت بالشاه عام 1979".
وبحسب الموقع، "إن إزاحة المرشد الأعلى علي خامنئي عن السلطة سيكون أقل احتمالاً أن يؤدي إلى نظام يستجيب لرغبات الولايات المتحدة من الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو في فنزويلا. أما النظام الأكثر ترجيحاً في إيران فهو نوع من الديكتاتورية العسكرية التي يهيمن عليها الحرس الثوري الإسلامي. إن تغيير النظام في إيران مثالٌ واضح على ضرورة الحذر مما يتمناه المرء. كان ترامب غامضاً بشأن ما يتعين على إيران قبوله لتجنب الهجوم، ولكن يبدو أن هناك ثلاث قضايا مطروحة، أولها مطالبة إيران بوقف كل عمليات تخصيب اليورانيوم. إلا أن إيران لا تخصب اليورانيوم حالياً، ولا يبدو أنها قامت بأي تخصيب منذ الهجمات
الإسرائيلية والأميركية في حزيران الماضي. وإذا كان لهذه القضية تأثير في تحديد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستهاجم إيران، فهذا يعني أن الحرب أو السلام سيتوقفان على مطلب لا يحدث فرقاً عملياً، على الأقل على المدى القصير. قد يكون لالتزام إيران الرسمي بالتخلي عن التخصيب إلى الأبد قيمة على المدى الطويل، لكن التاريخ يظهر أن توقع مثل هذا الالتزام ليس واقعياً. علاوة على ذلك، فإن إيلاء أهمية لمثل هذا الالتزام هو اعتراف ضمني بأن إيران أفضل في الالتزام بتعهداتها في مثل هذه الأمور من الولايات المتحدة، بالنظر إلى تراجع ترامب عن اتفاق نووي سابق على الرغم من التزام إيران بشروطه".
وتابع الموقع، "القضية الثانية تتعلق بتقييد مدى وعدد الصواريخ الباليستية الإيرانية. ثمة مبررات قوية تدعو إلى اتفاق إقليمي شامل للحد من الصواريخ في الشرق الأوسط، لكن إدارة ترامب، ولا أي جهة أخرى، لم توضح سبب استهداف إيران تحديدًا بهذه القيود دون غيرها في المنطقة، أو لماذا يُتوقع من صانعي القرار الإيرانيين قبول هذا التمييز في المعاملة. تعتبر إيران قدراتها الصاروخية رادعاً حاسماً ضد قدرات خصومها الصاروخية وغيرها من القدرات الهجومية الجوية، وقد استخدمت طهران صواريخها كرادع كما فعلت رداً على اغتيال الولايات المتحدة لقائد الحرس الثوري الإيراني البارز قاسم سليماني عام 2020، وعلى الهجوم الجوي
الإسرائيلي غير المبرر على إيران في حزيران الماضي. من الطبيعي أن ترغب الحكومة الإسرائيلية في شلّ قدرة
إيران على الرد، وهذا من شأنه أن يمنحها حرية أكبر في شنّ المزيد من العمليات الهجومية دون أن تقلق حتى من حجم الرد الذي حشدته إيران العام الماضي، وقد تشمل هذه العمليات هجمات، مثل تلك التي وقعت في حزيران، تجرّ الولايات المتحدة إلى الحرب. إن هذا النوع من حرية العمل الإسرائيلية لا يصب في مصلحة الولايات المتحدة".
وأضاف الموقع، "أما القضية الثالثة المعلن عنها فهي أن توقف إيران دعمها الكامل للجماعات التي تعتبرها حليفة لها في المنطقة، بما في ذلك الحوثيون في اليمن، وحزب الله في
لبنان، وحماس في فلسطين. ورغم شيوع وصف هذه الجماعات بـ"الوكلاء"، إلا أنها جهات فاعلة مستقلة ذات أجندات خاصة بها، كما يتضح من تصرف الحوثيين خلافاً لنصيحة إيران بالسيطرة على العاصمة اليمنية صنعاء. وكما هو الحال مع تخصيب اليورانيوم، يُعدّ الدعم الإيراني لهذه الجماعات "مشكلة" يتم حلها دون التزامات إيرانية جديدة، فالصعوبات الاقتصادية الحادة التي تواجهها إيران، إلى جانب المطالب الشعبية داخلها بتخصيص الموارد الشحيحة للبرامج الداخلية بدلاً من المساعي الخارجية، تجعل من الصعب عليها بالفعل الحفاظ على دعمها لحلفائها الإقليميين. وكما هو الحال مع قضية الصواريخ، فإن المطالبة بإنهاء هذا الدعم كجزء من اتفاق تتجاهل مدى كون هذا الدعم ردًا على عدوان أو انتهاكات حكومات أخرى".
وبحسب الموقع، "لا تُشكّل أيٌّ من هذه القضايا، منفردةً أو مجتمعةً، سببًا للحرب، وإن الإجابة على سؤال "لماذا الآن؟" لا تكمن في تلك القضايا بقدر ما تكمن في السياسة الداخلية، بما في ذلك دوافع تحويل الانتباه عن المشاكل السياسية والقدرة على الادعاء بتحقيق إنجاز ما في ما يتعلق بإيران أكبر أو أفضل مما حققه سلفه. إن تحقيق إنجازات ملموسة لا تخدم فقط الاحتياجات السياسية الداخلية، بل تخدم أيضاً المصالح الوطنية الأميركية، والتي هي ممكنة أيضاً من خلال الدبلوماسية مع إيران. إن الدبلوماسية الممكنة لا تستلزم استسلام إيران لقائمة طويلة من المطالب الأميركية، بل نهجاً تدريجياً قد يبدأ باتفاق نووي محدث، والذي من شأنه أن يبني الثقة لدى الجانبين للتوصل إلى اتفاق بشأن قضايا أخرى. لا تُسهم التهديدات التي تنتهجها إدارة ترامب في بناء الثقة، بل على العكس، تُؤدي إلى نتائج عكسية. ويُظهر رد النظام الإيراني العنيف على الاحتجاجات الشعبية الأخيرة أنه يعتقد أن بقاءه يعتمد على عدم إظهار أي ضعف أمام الضغوط الداخلية أو الخارجية".
ورأى الموقع أن "أي هجوم أميركي جديد على إيران، إلى جانب كونه عملاً عدوانياً مخالفاً لميثاق
الأمم المتحدة والقانون الدولي، لن يؤدي إلا إلى تفاقم أي من القضايا التي أثيرت كمبررات محتملة للحرب بدلاً من حلها. ومن شأن هجوم أميركي أن يضر بالمعارضين الإيرانيين بربطهم بالاعتداء على الشعب الإيراني، وسيعزز موقف من داخل النظام ممن يجادلون بضرورة سعي إيران لامتلاك سلاح نووي، وسيزيد، لا يقلل، من أهمية تحالفات طهران مع الجماعات غير الحكومية في المنطقة، وستستخدم إيران صواريخها للرد بطرق من شأنها أن تضر بالمصالح الأميركية أكثر مما فعلت في حزيران الماضي".