ذكرت صحيفة "The Hill" الأميركية أنه "مرة أخرى، يقود الرئيس الأميركي
دونالد ترامب الولايات المتحدة نحو مواجهة خطيرة وغير ضرورية مع
إيران. ففي كانون الثاني، هدد ترامب بإسقاط النظام
الإيراني بسبب قمعه العنيف للاحتجاجات، والآن، مع حشد القوات الأميركية في
الشرق الأوسط، تغيرت دوافعه للضغط على إيران".
وبحسب الصحيفة، فإن ترامب "يطالب بتنازلات جديدة من النظام الإيراني، تشمل فرض قيود على برنامج الصواريخ الإيراني وإزالة اليورانيوم المخصب بالكامل من البلاد، كما يهدد بعواقب "أشد وطأة" من عملية "مطرقة منتصف الليل" التي نُفذت في حزيران الماضي. ولا تزال أهداف الرئيس النهائية في المنطقة غامضة، وكذلك الإجراءات العسكرية التي قد يتخذها، والتي قد تشمل غارات جوية، أو حصارًا بحريًا، أو حتى تغيير النظام. إن مخاطر التصعيد جسيمة، حيث أن كل طرف على استعداد لإساءة تقدير عزم الطرف الآخر".
وتابعت الصحيفة: "قد تبرر إيران الردّ باعتباره حلاً للتهديدين اللذين يواجهان النظام حاليًا: التهديد الخارجي من ترامب والتهديد الداخلي بالثورة. إن المقاومة التي تُلحق ضرراً حقيقياً بالولايات المتحدة قد تُقنع ترامب بأن تكاليف محاربة إيران تفوق فوائدها المحتملة، وفي الوقت عينه، قد تُتيح له فرصة لاستعادة شرعيته الداخلية، من خلال الوقوف في وجه المطالب الأميركية، وهو أمرٌ قد يبدو غير متوقع. ومع تضافر دوافع البقاء لدى الطرفين نحو سياسة المقاومة نفسها، فإن أي هجوم أميركي على إيران قد يُفضي إلى صراع طويل الأمد وخطير بشكل غير متوقع. في المقابل، ستُدافع إيران بشراسة، وهزيمتها ليست أمراً مفروغاً منه".
وأضافت الصحيفة: "يزخر التاريخ بأمثلة على دول ضعيفة انتصرت على دول أقوى اعتقدت أن تفوقها التقليدي سيضمن لها النصر. وبتعبير آخر، وكما قال أندرو ماك، أحد منظري الحرب غير المتكافئة، فإن الدول الضعيفة لا تحتاج إلى الفوز، بل يكفيها ألا تُهزم، وأن تصمد أمام خصمها حتى يملّ الأخير حتماً من صراع غير ضروري تفوق فيه التكاليف الفوائد بكثير. لدى إيران فرصة جيدة لتحقيق ذلك، فبينما يميل ميزان القوى لصالح الولايات المتحدة، فإن ميزان العزيمة يميل لصالح إيران. في الواقع، لا تستطيع إيران أن تشكل تهديداً خطيراً للوطن الأميركي، لكن الصراع مع الولايات المتحدة يهدد بقاء إيران نفسها. وأدى خطاب ترامب المطالب بإسقاط النظام إلى تصعيد الصراع إلى مستوى وجودي بالنسبة للقيادة
الإيرانية. وفي العام الماضي، اختارت إيران ردًا رمزيًا إلى حد كبير لتجنب تحويل الضربات الأميركية المحدودة على المنشآت النووية إلى حرب، لكن دوافع ضبط النفس في طهران تتضاءل بشكل كبير إذا اعتقدت القيادة أن الولايات المتحدة عازمة على تدمير النظام".
الوقت الفاصل
وبحسب الصحيفة، "قد يتوقع القادة الإيرانيون، عن حق، أن يصمدوا لفترة أطول من ترامب، حتى لو حاول تغيير النظام، ومن غير المرجح أن يتكرر نجاح ترامب السريع ضد نيكولاس مادورو في فنزويلا في إيران، إذ تستغرق معظم عمليات تغيير الأنظمة شهورًا، لا ساعات. ومن المعروف نفور ترامب من العمليات العسكرية المطولة، فقد تخلى عن حملته ضد الحوثيين بعد شهرين فقط. علاوة على ذلك، قد يشك النظام الإيراني في استعداد ترامب لتحمل الخسائر الأميركية لتحقيق أهدافه المتغيرة. إيران أكثر قدرة بكثير من الحوثيين، ولديها خيارات عديدة للرد في الشرق الأوسط، حيث يتمركز نحو 40 ألف جندي أميركي. وقد شنت جماعات مسلحة مرتبطة بإيران هجمات على عشرات المنشآت الأميركية في السنوات الأخيرة، غالباً بهجمات استفزازية تهدف إلى مضايقة القوات الأميركية وتذكير
واشنطن بقدرة طهران على ممارسة العنف المميت. ويمكن لإيران أن تستهدف المواقع ذات الدفاعات الخفيفة في العراق وسوريا والأردن، أو يمكنها أن تهاجم قواعد أميركية أكبر وأكثر وضوحاً تحمل قيمة رمزية أكبر، مثل قاعدة العديد في قطر".
وتابعت الصحيفة: "حتى لو تمكنت القوات الأميركية من القبض على المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وكبار مسؤوليه أو قتلهم بسرعة، فمن شبه المؤكد أن الدولة المتبقية ستقاوم بدلاً من التعاون مع الأوامر الأميركية. فالنظام الإيراني لا يثق بالولايات المتحدة على الإطلاق، والتي دعمت صدام حسين في الحرب العراقية الإيرانية المدمرة (1980-1988)، وحاصرت إيران في العقد الأول من الألفية الثانية بغزوها للعراق وأفغانستان. وفي الآونة الأخيرة، أعلنت الحكومة الأميركية دعمها "الثابت" لإسرائيل، التي تعتبر أكبر تهديد لإيران في المنطقة، وقامت بقصف طهران في خضم المفاوضات النووية. قد يُساهم الرد على هجوم أميركي في استعادة الشرعية الداخلية للجمهورية الإسلامية، التي تضررت جراء عجزها عن منع الهجمات
الإسرائيلية والأميركية الصيف الماضي. ومن المعروف أن الأنظمة المتعثرة تلجأ إلى إجراءات سياسية خارجية محفوفة بالمخاطر على أمل تغيير مسارها السياسي، وهي ظاهرة يُطلق عليها علماء السياسة اسم "المقامرة من أجل النهوض". فحتى الاحتمال الضئيل بأن القتال ضد الولايات المتحدة قد ينقذ النظام من الإطاحة به قد يغري القادة الإيرانيين اليائسين لتحويل الخطاب الداخلي من فشل النظام إلى المقاومة الوطنية".
وأضافت الصحيفة: "إن إيجاد طريقة لمعاقبة ترامب دون إثارة غضبه يُمثل توازناً دقيقاً قد تُخطئ إيران في تقديره بسهولة. ولأن إيران قد تنظر إلى نفسها على أنها تُعوّض عن ردود فعل ضعيفة في الماضي، فمن المرجح أن تُبالغ في رد فعلها، مما يعني وجود خطر كبير من أن يتصاعد الصراع إلى ما هو أبعد مما يرغب فيه أي من الطرفين. إن الضرورة القصوى للولايات المتحدة هي تجنب حرب عبثية مع إيران، والتي قد تتصاعد بسهولة إلى ما يتجاوز توقعات أو رغبات أي من الطرفين. حتى الآن، نجحت مناورات ترامب العسكرية خلال ولايته الثانية في تجنب مأساة فقدان أرواح أميركية لأهداف مشكوك فيها، لكن لا يوجد ما يضمن أن الماضي سيكون نذيراً للمستقبل".