ذكر موقع "Middle East Monitor" البريطاني أنه "مرة أخرى، يتكرر نمط مألوف في التوترات الأميركية الإيرانية: يتحدث أحد الطرفين عن الدبلوماسية مصحوباً بتهديدات باستخدام القوة. وعندما تتعامل واشنطن مع هذا المأزق كاستراتيجية، فإنها لا تزيد الوضع إلا سوءاً، وتزيد من احتمالية نشوب صراع أوسع. وإذا كان الهدف المعلن هو خفض التصعيد، فلماذا الاستمرار في تحويل طاولة المفاوضات إلى ساحة للمواجهة؟ يُصوّر ترامب نفسه صانع الصفقات، وكأن الضغط يُؤدي تلقائياً إلى الإقناع. في المقابل، يُصرّ شريكه في الجريمة، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على أن كل مفاوضات هي فخ ما لم تستسلم إيران بالكامل. وبذلك، يحوّل الرجلان معاً المنطقة إلى ورقة مساومة، على بُعد خطوة واحدة من حرب شاملة".
وبحسب الموقع، "لكن طهران اتخذت موقفاً متشدداً: مفاوضات نووية لا غير، وهذا الموقف، بدوره، يضعها في خلاف مع واشنطن وتل أبيب، اللتين ترغبان في مناقشة برنامج الصواريخ
الإيراني ونفوذ طهران الإقليمي. في الحقيقة، إنّ المسار النووي فقط هو ما يُقلق نتنياهو بشدة. فبالنسبة له، أي اتفاق يتجنب الصواريخ الباليستية والوكلاء غير مقبول، ويخشى أن يكتفي ترامب بنصر جزئي ويسوّقه على أنه تاريخي. ونتيجة لذلك، لم تعد القضية مجرد احتكاك بين
الولايات المتحدة وإيران، بل أصبحت نزاعاً بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول ما يعنيه "النجاح" فعلياً".
وتابع الموقع، "أدت تطورات هذا الأسبوع إلى اتساع الفجوة. فبعد لقائه نتنياهو، صرّح ترامب بأنه لم يتم التوصل إلى أي قرار نهائي، ودعا مجدداً إلى إجراء مفاوضات. ومع ذلك، لا تزال واشنطن تعزز وجودها العسكري بنشر حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" والمدمرات المرافقة لها في أنحاء المنطقة. وتشير عدة تقارير إلى أن البنتاغون يستعد لإرسال مجموعة حاملات طائرات أخرى إلى
الشرق الأوسط، وهذا يثير تساؤلاً حول ما إذا كان هذا مساراً نحو اتفاق أم تمهيداً للتصعيد؟ في كلتا الحالتين، يُشير ذلك إلى أن المفاوضات تجري تحت ضغط هائل. بعبارة أخرى، هذه دبلوماسية تُمارس في إطار مهلة زمنية محددة، وليست بديلاً عن العمل العسكري".
وأضاف الموقع، "مما زاد الطين بلة، أن ترامب وقّع للتو أمراً تنفيذياً يهدد بفرض تعرفة جمركية بنسبة 25% على شركاء إيران التجاريين، وهذا ليس ضربة قاضية موجهة إلى طهران فقط، بل إلى أي شخص في السوق العالمية يرفض التعامل مع السياسة الأميركية كأمر عالمي. وهنا تبدأ المقارنة مع العراق في إفساد السياسة الخارجية الأميركية. فقد تم الترويج للعراق عام 2003 بوهم زائف بأن الحرب هي الحل "النظيف"، لكن النتيجة كانت كارثة لا تزال آثارها موجودة في المنطقة حتى اليوم. وبذلك، تتجاهل واشنطن الدرس الأساسي الذي تعلمته من بغداد: عندما ينغمس القادة في خطابهم، يتوقفون عن تقييم المخاطر ويبدأون في التصرف بقوة من أجل الاستعراض. لكن إيران ليست العراق، فهي أكبر حجماً وأكثر تطوراً وأفضل استعداداً للرد على جبهات متعددة. لذا، نادراً ما تبقى الضربة "المحدودة" محدودة بمجرد إطلاق الصواريخ وتعطيل خطوط الملاحة وردّ الوكلاء".
وبحسب الموقع، "إيران ليست فنزويلا أيضاً، على الرغم من الاعتقاد الخاطئ بأن الضغط الأقصى هو طريق مختصر لانهيار النظام. ساهمت
العقوبات في إضعاف كاراكاس، لكن افتراض أن طهران ستنهار بنفس الطريقة يتجاهل حقيقة بقاء الدولة. إذا كان ترامب يعتقد أن إيران قابلة للخضوع بالقوة، فهو يسيء فهم كيف أن النزعة القومية والضغوط الخارجية غالباً ما تحشد المجتمعات حول رايتها. وحتى عندما تعاني الاقتصادات وتتصاعد الاحتجاجات، فإن الأنظمة لا تسقط وفقاً لجدول واشنطن
الزمني، خاصةً عندما يستطيع القادة إلقاء اللوم على جهات خارجية، وتُظهر الاحتجاجات الأخيرة في إيران والقمع الشديد الذي أعقبها كيف يمكن للضغط أن يُقوّي الدولة بدلاً من أن يُضعفها. مع ذلك، فإن ما يجعل هذا المأزق متقلباً هو إمكانية وجود اتفاق نووي قابل للتطبيق، لكنه ليس من النوع الذي يريده نتنياهو أو الذي يمكن أن يتباهى به ترامب باعتباره نصراً كاملاً، وقد طرح مسؤولون إيرانيون خيار تخفيف تركيز اليورانيوم العالي التخصيب بنسبة 60% في حال رفع العقوبات بالكامل، وهو ما يمثل مقايضة خطيرة بين الخطوات النووية والإغاثة الاقتصادية".
وتابع الموقع، "إن مسألة الثقة بطهران ليست هي بيت القصيد، بل إن المشكلة تنبع من ضغوط تل أبيب على واشنطن التي تطالب بـ"كل شيء" قبل تقديم "أي شيء". هذا ليس تفاوضاً، بل هو طريق مسدود مُدبّر لجعل الحرب تبدو حتمية. في الواقع، يُهيئ نتنياهو الجهود الدبلوماسية للفشل، فبإصراره على أن تكون صواريخ إيران وشبكاتها الوكيلة جزءاً من الاتفاق، يضمن عدم نجاح أي مفاوضات. وبالتالي، فإن النتيجة هي تصعيد دائم. فعندما لا يكون أي اتفاق مُرضيًا، تصبح كل جولة من المحادثات بمثابة عد تنازلي للضربة التالية. والأسوأ من ذلك، أنها تُغري نتنياهو باتخاذ إجراءات أحادية الجانب تُقوّض الدبلوماسية قبل أن تُفضي إلى نتيجة لا تُرضيه. لهذا السبب فإنّ عقلية التعامل مع العراق وفنزويلا مدمرة للغاية. يتعامل ترامب مع إيران كآلة بيع يمكنه ببساطة فرض عقوبات وتهديدات عليها ويتوقع استسلامها. وبمطالبتهما بإذلال طهران، يجعل ترامب ونتنياهو التوصل إلى نتيجة مستقرة أمراً مستحيلاً. فالتصعيد طريق ذو اتجاه واحد، وبمجرد اندلاعه، لا يستطيع أي زعيم السيطرة على مدى انتشاره".
وأضاف الموقع، "إلا أن الدبلوماسية عملية هشة، وستنهار إذا استخدمت كأداة سياسية بدلاً من كونها طريقاً حقيقياً لخفض التصعيد. إيران ليست كالعراق، التي يسهل إسقاطها برواية ملفقة، وهي بالتأكيد ليست كفنزويلا أيضاً، التي تنتظر أن تُقمع وتُخضع. إنها دولة ذات قدرات حقيقية، وشركاء إقليميين، وقدرة مُثبتة على توسيع نطاق الصراعات عند محاصرتها. ولهذا السبب تحديداً لن تنهار إيران ببساطة، فهي قادرة على الرد بطرق تُلحق أضراراً تتجاوز حدود المنطقة. قد تحث
إسرائيل الولايات المتحدة على التحرك، لكن القرار النهائي يعود إلى ترامب، الذي إما أن ينتهج دبلوماسية حقيقية أو يُشعل حرباً، إذا ما اندلعت، ستتجاهل أي اعتبارات سياسية".