نشر المعهد الملكي للخدمات المُتحدة (روسي) تقريراً جديداً تحدث فيه عن تزايد التكهنات حول الدور الذي يمكن أن تؤديه العمليات السيبرانية الأميركية وذلك في حال فشلت الجهود الدبلوماسية وانهار الاتفاق مع إيران لإزالة قدراتها النووية.
التقرير يقول إنه بينما تجري مناقشة الخيارات المُتاحة، يظل الفضاء الإلكتروني غامضاً بالنسبة للجمهور، لكنه أصبح عنصراً محورياً في الاستراتيجية الأمريكية؛ إذ لم يعد مجرد أداة مساعدة للعمليات العسكرية بل أصبح في طليعة التخطيط الأمني والضغط على النظام الإيراني.
ويعتقد محللون أن هناك مؤشرات كشفت أخيراً أن العمليات السيبرانية الأميركية يمكن أن تستهدف مجموعة واسعة من الأنظمة الإيرانية، بما في ذلك أنظمة الإنذار المبكر والرادارات الأرضية، إلى البنية التحتية الإدارية للحكومة؛ بهدف تعطيل القدرات التقنية، وزيادة التكاليف التشغيلية للحرس الثوري، وتقويض قدرة إيران على التنسيق بين أجهزتها العسكرية والمدنية.
وأشار الخبراء إلى أن تأثير هذه العمليات لا يقتصر على النتائج التكتيكية المباشرة، بل يمتد إلى خلق حالة من الإرباك النفسي والسياسي داخل النخبة الإيرانية، وزعزعة الثقة بين وحداتها المختلفة، وإجبار صناع القرار على إعادة تقييم استراتيجياتهم.
أحد الأبعاد المهمة للسياسات الأميركية في هذا المجال، هو إمكانية استخدام الفضاء السيبراني لتقويض شبكات الاتصالات الحساسة، سواء عبر تعطيلها بشكل مؤقت أو عبر إدخال بيانات مضللة يمكن أن تؤثر في القرارات اليومية.
ويتضمن هذا الأمر استهداف أنظمة الاتصال الخاصة بالحرس الثوري أو الميليشيات التابعة له، مثل "الباسيج"، بحيث يتم خلط المعلومات الرسمية أو تعقيد نقل التعليمات بين الوحدات؛ ما يؤدي إلى زيادة فوضى العمليات وتقليص فاعلية الرد العسكري الإيراني المحتمل.
أيضاً، فإن العمليات السيبرانية الأميركية قد تُستخدم في دعم الاستعدادات العسكرية التقليدية، بما في ذلك ضربات محتملة ضد المنشآت النووية أو العسكرية الإيرانية؛ فمن خلال تعطيل أنظمة الدفاع الجوي والرصد، يمكن للقوات الأميركية حماية أصولها الجوية والبحرية، وتقليل فرص رصد أي هجوم وصدّه من قبل إيران.
وأشارت تقارير إلى أن العمليات السابقة على منشآت نطنز وأصفهان وفوردو في 2025 تضمنت عناصر إلكترونية أسهمت في تعطيل الدفاعات الإيرانية؛ ما يعكس قدرة الولايات المتحدة على إيجاد "نقاط الضعف" في أنظمة مغلقة ومعقدة واستغلالها لتعزيز تفوقها الاستراتيجي.
وعلى الصعيد النفسي والسياسي، تسهم العمليات السيبرانية في زيادة الضغط على الداخل الإيراني، وتضعف قدرة النظام على التعبئة الفعالة، سواء بالنسبة للحرس الثوري أو الحكومة أو الوكالات الأخرى، خصوصاً أن تعطيل الأجهزة، بما فيها أجهزة الاتصال والبيانات الحيوية، وتعطيل سجلات الرواتب والمخازن والإمدادات، يسمح بخلق حالة من الشك الداخلي؛ ما يفرض ضغوطًا مضاعفة على اتخاذ أي قرار.
وأكد الخبراء أن هذه العمليات تتطلب قدرات تقنية عالية، وتحضيراً دقيقاً، وتنسيقاً مع الأهداف السياسية لواشنطن، في إطار استراتيجية شاملة لإعادة تشكيل البيئة الأمنية الإيرانية، وتهيئة الظروف لأي تحرك عسكري محتمل، ولخلق التوازن بين الضغط العسكري والدبلوماسي على النظام الإيراني.
وفي ما تبقى التفاصيل الدقيقة للعمليات السيبرانية الأميركية غير معلنة، فإن كل المؤشرات تكشف أن واشنطن تتعامل مع الفضاء الرقمي كأداة استراتيجية رئيسية، لا كوسيلة مساعدة؛ ما يسهم في تقويض القدرات الإيرانية، وزيادة التكاليف التشغيلية والسياسية للنظام، وضمان تحقيق أهدافها في أي مواجهة محتملة.