كتبت "العربية": في خضم السباق نحو التوصل إلى اتفاق نووي بين إيران والولايات المتحدة، مع احتمال قيام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشن ضربة محدودة على طهران، يبرز دور وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ومهارته في التفاوض والمناورة.
عراقجي، المعروف بأسلوبه البراغماتي على الرغم من "العقيدة" التي توجه سياسات نظام بلاده، كشف في كتابه "قوة التفاوض: مبادئ وقواعد المفاوضات السياسية والدبلوماسية" بعضًا من أسلوبه في التعامل.
وأشار إلى أن "أسلوب المساومة" هو أساس التفاوض بين الدول، تمامًا كما يحدث في "البازار" بين البائع والمشتري.
لكنه شدد على أن المساومة ليست مجرد مواجهة مفتوحة، بل عملية محسوبة ومدروسة تقوم على تبادل المكاسب والخسائر، مما يستلزم من كل طرف دراسة خطواته بعناية.
كما أضاف أن المفاوضين بحاجة لوضع آليات لإعادة توزيع المصالح بطريقة ترضي جميع الأطراف.
الحد الأدنى والمصالح الجوهرية
أكد عراقجي أن الدول لا تسعى للانتصار الكامل، بل لتحقيق حد أدنى من مصالحها الأساسية.
وأشار إلى أن المساومة، أو ما يعرف شعبياً بـ"البازار"، تعتمد على توازن القوة، الذي يشمل ليس فقط القوة العسكرية أو الاقتصادية، بل أيضًا الدعم الدولي، والقدرة على الصمود، والتحكم بالوقت، وامتلاك البدائل، وهي عناصر أسماها "القوة التفاوضية المركّبة".
حفظ ماء الوجه
وأوضح أن الدول القوية قد تفشل في المساومة إذا ضغطت بشكل مفرط أو تجاهلت مصالح الطرف الآخر، أو لم تترك له مساحة للحفاظ على ماء وجهه.
أما الدول الأضعف، فيمكنها تحقيق مكاسب إذا استخدمت أوراقها المحدودة بذكاء، واستثمرت الوقت، وفعلت شبكات الدعم الدولي.
وأكد أن كل دولة تدخل المفاوضات وهي تحمل "خطًا أحمر" لا تتجاوزه، وحدًا أدنى يمكن القبول به، بالإضافة إلى خطة بديلة في حال فشل التفاوض.
سلاح الوقت
وصف عراقجي الوقت بأنه "سلاح" في المساومة، مشيرًا إلى أن السيطرة عليه تمنح الطرف المفاوض ميزة ضغط أكبر، وتخفض تكلفة التراجع، وتجبر الطرف الآخر على اتخاذ قرارات تحت الضغط.
التنازلات كأداة تفاوضية
رأى عباس عراقجي أن التنازلات لا تُعد نقطة ضعف، بل يمكن أن تكون أداة لكسب تنازلات مقابلة. لكنه شدد على أن أي تنازل يجب أن يكون مدروسًا، وليس مجانيًا، ويقدم تدريجيًا مع ربط كل خطوة بمكسب واضح.
وقد قدم عراقجي في كتابه خطة واضحة، يبدو أن طهران تعتمدها في مفاوضاتها الحالية مع الولايات المتحدة، غير أن عامل الوقت لا يصب لصالحها هذه المرة، خصوصًا بعدما منحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مهلة حوالي أسبوعين للتوصل إلى اتفاق.
كما أن عامل القوة لا يميل إلى جانبها، وسط الحشد العسكري الأميركي الكبير في المنطقة، مع وصول حاملة الطائرات "جيرالد فورد" إلى إسرائيل، وتواجد "أبراهام لنكولن" في بحر العرب، فضلاً عن مئات الطائرات الأميركية.
في ظل هذه المعطيات، لم يبق أمام طهران سوى تقديم التنازلات مع "حفظ ماء الوجه"، وسقف هذه التنازلات هو ما سيحدد موقفها النهائي.
الليونة الإيرانية في المفاوضات
أكد مصادر في جنيف أن الوفد الإيراني أبدى أمس بعض الليونة في ملفات محددة، منها:
إخراج نصف كمية اليورانيوم عالي التخصيب من البلاد.
الإشارة إلى إمكانية خفض نسبة التخصيب بما يتوافق تقريبًا مع نصوص الاتفاق النووي لعام 2015.
وفق الاتفاق النووي المعروف بـ"خطة العمل الشاملة المشتركة" (JCPOA)، كانت النسبة المسموح بها للتخصيب 3.67% لمدة 15 عامًا.
لكن إدارة ترامب تطالب باتفاق غير محدد زمنيًا ووقف كامل للتخصيب، وهو ما تعتبره طهران حقًا سياديًا وخطًا أحمر، إذ أن تجاوزه قد "يكسر هيبة" إيران.
ستكون الأيام المقبلة حاسمة، حيث ستجتمع الفرق الفنية الأميركية والإيرانية في فيينا بحضور الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمتابعة النقاشات وإمكانية التوصل إلى اتفاق.