ذكر موقع "The Conversation" الأسترالي أن "كثيراً ما تُصوَّر اتفاقيات وقف إطلاق النار على أنها لحظات راحة، وتوقف مؤقت للعنف يفتح الباب أمام الدبلوماسية. لكنها أحياناً تكشف عن أمرٍ أكثر أهمية: من المستفيد الحقيقي من الحرب؟ ولعل وقف إطلاق النار الناشئ بين
الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران أحد تلك اللحظات. ظاهرياً، يدّعي كافة الأطراف تحقيق النجاح. فقد أعلن الرئيس الأميركي
دونالد ترامب "نصراً كاملاً وشاملاً"، مقدماً الاتفاق كدليل على تحقيق أهداف الولايات المتحدة. في المقابل، وصفت القيادة
الإيرانية وقف إطلاق النار بأنه إنجاز استراتيجي، حيث صادق مجلس الأمن القومي الأعلى رسمياً على الاتفاق بشرط وقف الهجمات".
وبحسب الموقع: "لكن وراء هذه الروايات المتضاربة تكمن حقيقة أعمق: يشير مضمون وقف إطلاق النار وهيكله إلى أن
إيران ربما خرجت منه أقوى لا أضعف. فبينما اغتيل معظم قادتها البارزين خلال النزاع، فإن قدرة النظام على تعيين بدلاء بسرعة والحفاظ على تماسكه تدل على مرونة مؤسسية لا على انهيار. لم يُفرض وقف إطلاق النار نتيجة هزيمة عسكرية حاسمة، بل تم التفاوض عليه وصياغته وفقاً للشروط الإيرانية، محققاً مكاسب لم تكن متاحة سابقاً، حيث شكلت خطة طهران ذات النقاط العشر إطاراً مبدئياً للمفاوضات بدلاً من كونها اتفاقاً نهائياً مفروضاً على إيران. ولم تقتصر مقترحات طهران على إنهاء الأعمال العدائية فحسب، بل شملت أيضاً تخفيف العقوبات، والوصول إلى الأصول المجمدة، ودعم إعادة الإعمار، واستمرار النفوذ على مضيق هرمز. كما تضمنت انسحاباً أميركياً فعالاً من
الشرق الأوسط، ووقف الهجمات
الإسرائيلية على
لبنان".
وتابع الموقع: "أُعيد فتح مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي، تحت إشراف إيراني، في إشارة واضحة إلى الجهة التي تملك زمام المبادرة حاليًا. ولا تقتصر أهمية السيطرة على هرمز على الجانب الاستراتيجي فحسب، بل تتعداه إلى الجانب الاقتصادي أيضًا. وتشير التقارير إلى أن إيران اقترحت الاستمرار في فرض رسوم العبور التي بدأتها خلال النزاع، مما يخلق مصدر دخل محتمل في الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إلى إعادة الإعمار. في الواقع، قد تترك الحرب التي تضمنت قصفًا مستمرًا للبنية التحتية الإيرانية إيران الآن بآليات مالية جديدة لإعادة البناء وربما توسيع نفوذها الإقليمي. المنطق متناقض ولكنه مألوف، فالحملات العسكرية مصممة لإضعاف قدرات الخصم، ولكن عندما تفشل في تحقيق نتائج سياسية حاسمة، فإنها غالباً ما تخلق فرصاً جديدة للدولة المستهدفة.
دخلت إيران هذه الحرب وهي متأقلمة بالفعل مع الضغوط، إذ أجبرتها سنوات من العقوبات على بناء قدرتها على الصمود من خلال تنويع شبكاتها، وتعزيز مؤسساتها، وتطوير استراتيجيات غير متكافئة. ويبدو أن الحرب قد ساهمت في تسريع هذه العملية. فبدلاً من الانهيار، أظهرت إيران قدرتها على تعطيل أسواق الطاقة العالمية، واستيعاب الضربات المستمرة، وفرض مفاوضات بشروط تتضمن تنازلات اقتصادية".
وهم النصر
وبحسب الموقع: "هنا يبرز التناقض في الرسائل الأميركية بشكل جليّ. فرغم أن الرئيس الأميركي قد وصف وقف إطلاق النار بأنه "انتصار كامل"، إلا أنه من اللافت للنظر أنه بينما يتضمن اتفاق وقف إطلاق النار إعادة فتح مضيق هرمز مؤقتًا، وهو المطلب
الرئيسي لترامب في الأيام الأخيرة، فإن المحادثات ستركز على خطة إيران ذات النقاط العشر بدلاً من خطة الولايات المتحدة الأصلية ذات النقاط الخمس عشرة، والتي تمحورت حول تفكيك القدرات النووية والصاروخية الإيرانية. ويشير هذا التحول إلى سعي أميركي لإيجاد مخرج. في الوقت نفسه، حافظت
إيران على موقف ثابت: رفض الترتيبات المؤقتة ما لم تُحقق نتائج هيكلية مثل تخفيف العقوبات وتقديم ضمانات أمنية. بالنسبة لواشنطن، يوقف وقف إطلاق النار التصعيد ويحقق استقراراً في الأسواق. أما بالنسبة لطهران، فيهدف إلى تعزيز النفوذ الذي يوفره لها سيطرتها على مضيق هرمز. ويشير هذا التفاوت إلى أن وقف إطلاق النار ليس مجرد هدنة محايدة، بل لحظة قد تُرسّخ تحولاً في موازين القوى الإقليمية".
وتابع الموقع: "يُعدّ البُعد الاقتصادي هو الأهم في هذا التحوّل، فقد زعزعت الحرب استقرار الأسواق العالمية، حيث شهدت أسعار النفط تقلبات حادة نتيجةً لانقطاع الإمدادات. إلا أن وقف إطلاق النار يُدخل ديناميكية جديدة. فإذا خُففت العقوبات، ستتمكن إيران من الوصول إلى الأسواق العالمية في وقت يشهد طلبًا مستمرًا على الطاقة، وإذا ما اقترن ذلك بعائدات العبور المحتملة وتدفقات إعادة الإعمار، فإن هذا يُهيئ الظروف لانتعاش اقتصادي كبير. في الواقع، قد تُؤدي الحرب إلى عكس النتيجة المرجوة منها. فبدلاً من إضعاف إيران اقتصادياً، ربما تكون قد عززتها".
إيران أقوى.. نظام أضعف؟
وبحسب الموقع: "يثير هذا تساؤلاً أوسع: ما الذي تكشفه هذه الهدنة عن طبيعة القوة نفسها؟ لعقود، استند النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط على الهيمنة العسكرية والضغط الاقتصادي. ويشير هذا الصراع إلى أن كلا الأمرين يتعرضان لضغوط. عسكرياً، أظهرت الولايات المتحدة وإسرائيل قدرات هائلة، لكن دون تحقيق نتائج حاسمة. في المقابل، حافظت إيران على قدراتها الأساسية، وتماسكت، واستغلت موقعها للتأثير على عملية خفض التصعيد. وفي الوقت عينه، تآكلت شرعية الولايات المتحدة وإسرائيل، فقد أدى الجدل الدائر حول مبررات الحرب، والخسائر في صفوف المدنيين، وانعدام الدعم الدولي الواسع، إلى إضعاف مكانتهما، حتى بين حلفائهما، كما تراجعت القوة الناعمة الأميركية التي لطالما كانت محورية في قيادتها العالمية. ومما لا شك فيه أن منشورات ترامب المسيئة المتزايدة على وسائل التواصل الاجتماعي قد أدت إلى نفور حتى أقرب حلفائها، الذين التزم معظمهم الصمت إزاء التهديدات الأميركية. اقتصادياً، تمنح قدرة إيران على التأثير في تدفقات الطاقة العالمية، وربما استغلالها اقتصادياً، شكلاً من أشكال القوة الهيكلية التي لا يمكن تحييدها بالقوة وحدها. والنتيجة: إن الحرب التي تهدف إلى احتواء إيران ربما تكون قد عززت قوتها".
وتابع الموقع: "لا يزال الوقت مبكراً. قد تنهار اتفاقيات وقف إطلاق النار، وقد تفشل المفاوضات، وقد تندلع الصراعات من جديد، ولكن إذا صمد هذا الاتفاق ولو مؤقتاً فقد يُشكل نقطة تحول، ليس لأنه ينهي الحرب، بل لما يكشفه عن كيفية كسب الحروب وخسارتها في الوقت الراهن. لم يعد النصر يُحدد بالسيطرة على ساحة المعركة وحدها، بل بنتائج مستدامة اقتصادياً، وشرعية سياسياً، وذات متانة استراتيجية. وفي ضوء هذه المقاييس، تبدو إيران في وضع جيد. ربما أظهرت الولايات المتحدة وإسرائيل تفوقاً عسكرياً، لكن إيران أظهرت شيئاً مختلفاً: القدرة على الصمود والتكيف وتحويل الضغط إلى قوة دافعة. ولهذا السبب فإن وقف إطلاق النار هذا مهم، ليس فقط كنهاية لمرحلة من الصراع، ولكن كونه يمثل اللحظة التي أدت فيها حرب تهدف إلى إضعاف إيران إلى جعلها أقوى، وكشفت عن حدود القوة التي سعت إلى احتوائها".