في مشهد لم يكن متوقعاً قبل سنوات، جلس القاضي السوري فخر الدين العريان على منصة
القضاء في
دمشق منذ أيام قليلة، لا بصفته شاهداً على حقبة دامية، بل رئيساً لأول جلسات العدالة الانتقالية في
سوريا، واضعاً أسماء كانت حتى وقت قريب فوق المساءلة في قفص الاتهام، وفي مقدمتها رئيس النظام السابق
بشار الأسد وشقيقه ماهر، إلى جانب مسؤولين أمنيين بارزين من أمثال عاطف
نجيب.
فقد تصدرت هوية هذا الرجل الذي ترأس جلسة محاكمة نجيب، حديث السوريين خلال الفترة الماضية. لا سيما أن العريان نفسه كان قبل سنوات مطلوباً من قبل النظام المخلوع، وصدر بحقه حكم غيابي بالإعدام.
كما صودرت ممتلكاته، قبل أن يعود اليوم إلى العاصمة
السورية مجدداً من بوابة القضاء، لا متهماً بل قاضياً يتلو أسماء رجالات
الأسد من على منصة المحكمة.
وينحدر فخر الدين العريان من بلدة سلقين الواقعة في ريف محافظة إدلب، ودرس الحقوق في جامعة حلب عام 1988، قبل أن يبدأ مسيرته المهنية داخل
مؤسسات الدولة السورية. حيث تنقل في السلك القضائي لسنوات، حتى وصل إلى منصب مستشار في محكمة
الاستئناف المدنية بمحافظة إدلب.
هذا وعُرف كأحد القضاة العاملين ضمن المنظومة القضائية الرسمية قبل أن تنقلب حياته بالكامل مع احتجاجات آذار من العام 2011.
ومع تصاعد الاحتجاجات الشعبية واتساع القبضة الأمنية، اتخذ العريان موقفاً مبكراً وحاسماً، فقد أعلن انشقاقه رسمياً عن
وزارة العدل في آذار 2011، في تسجيل مصور قال فيه إن ما يرتكبه النظام من مجازر بحق المدنيين، خصوصاً النساء والأطفال، لا يمكن السكوت عنه. وأكد حينها انضمامه إلى مجلس القضاء السوري المستقل.
فيما شكل هذا الإعلان لحظة مفصلية إلى ذلك، انخرط العريان بعد انشقاقه في تأسيس مسار قضائي بديل داخل مناطق
المعارضة. حيث عمل ضمن وزارة العدل في الحكومة السورية المؤقتة، وأسهم في بناء مؤسسات قضائية خارج سلطة دمشق. وخلال تلك المرحلة، ارتبط اسمه بمحاولات إنشاء منظومة عدلية موازية، هدفت إلى إدارة
القضايا المدنية والجنائية في المناطق التي تحررت من سيطرة النظام، إلى جانب توثيق الانتهاكات والجرائم التي ارتكبتها أجهزة الدولة خلال سنوات الحرب.
مرسوم رئاسي أعاد له الاعتبار
في المقابل، لم يتأخر رد النظام السابق، فصدرت بحق العريان أحكام غيابية قاسية، أبرزها حكم بالإعدام، إلى جانب مصادرة أملاكه وبيع بعض ممتلكاته في مزادات علنية.
غير أن الرجل الذي طاردته المحاكم الأمنية بالأمس، عاد اسمه إلى الواجهة. ففي يونيو من العام الماضي (2025)، صدر مرسوم رئاسي أعاد الاعتبار لعدد من القضاة الذين سبق فصلهم أو ملاحقتهم، من بينهم العريان. وقد جرى تعيينه رئيساً لمحكمة الجنايات الرابعة في دمشق بعد أشهر، في خطوة عُدّت جزءاً من إعادة تشكيل المؤسسة القضائية في البلاد.في حياته، إذ انتقل من قاضٍ داخل مؤسسات الدولة إلى أحد أبرز الوجوه القضائية المنشقة عن النظام السابق.