أعادت التهديدات الروسية الأخيرة باستهداف ما تصفه موسكو بـ«مراكز صنع القرار» في
أوكرانيا ملف القيادة الأوكرانية إلى واجهة المشهد العسكري والسياسي، بعدما توسعت دائرة الأهداف المعلنة لتشمل مقار القيادة والسيطرة والمؤسسات المرتبطة بإدارة الحرب.
وتكتسب هذه التهديدات أهمية خاصة في ظل تركيز الخطاب الروسي على مراكز اتخاذ القرار، وهو توصيف تكرره موسكو منذ سنوات، لكنه عاد هذه المرة مترافقاً مع تحذيرات رسمية للأجانب والعاملين في البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية بمغادرة كييف، فضلاً عن دعوات للمدنيين بالابتعاد عن المنشآت المرتبطة بالمؤسسات العسكرية والإدارية الأوكرانية.
وأبلغ
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف نظيره الأمريكي ماركو روبيو بأن القوات الروسية ستواصل توجيه ضربات إلى المنشآت العسكرية ومراكز القيادة في أوكرانيا.
وفي أعقاب هذه التصريحات، أعلنت القوات الجوية الأوكرانية تعرض البلاد لهجوم جوي واسع النطاق شمل عشرات الصواريخ بمختلف أنواعها ومئات الطائرات المسيرة الهجومية.
ووفق البيانات الأوكرانية، أصابت الصواريخ والطائرات المسيّرة عشرات المواقع داخل الأراضي الأوكرانية، فيما تركزت الضربات في العاصمة كييف إلى جانب مناطق دنيبرو وخاركيف.
في المقابل، أكدت
وزارة الدفاع الروسية أن الضربات استهدفت منشآت تابعة للمجمع الصناعي العسكري الأوكراني، بما في ذلك مواقع مرتبطة بتصميم وتجهيز الطائرات المسيرة المستخدمة في العمليات العسكرية.
وتحدثت موسكو عن استهداف مراكز قيادة وسيطرة تستخدمها القوات الأوكرانية في إدارة العمليات القتالية، مؤكدة أن الهجمات تأتي في إطار الرد على هجمات أوكرانية استهدفت مناطق خاضعة للسيطرة الروسية.
من جانبه، وصف أندريي سيبيها وزير الخارجية الأوكراني، التحذيرات الروسية بأنها محاولة للضغط على أوكرانيا وشركائها، مؤكدًا أن بلاده لن تغير مواقفها تحت وطأة الهجمات، ودعا إلى زيادة الدعم العسكري
الغربي وفرض المزيد من
العقوبات على موسكو.
وفي خضم هذا التصعيد، كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن معلومات قالت كييف إنها استندت إلى معطيات استخباراتية تتعلق بخطط روسية لاستهداف نحو 20 موقعا مرتبطا بمؤسسات الدولة الأوكرانية ومراكز القيادة العسكرية.
وتشمل هذه المواقع مباني حكومية ومقار تستخدم في إدارة العمليات العسكرية، إضافة إلى منشآت تقع في قلب العاصمة كييف.
ورغم تصاعد الحديث عن «مراكز صنع القرار» واتساع نطاق الضربات الجوية الأخيرة، يظل ملف «مراكز صنع القرار» عنوان رئيسي في المواجهة الدائرة، مع استمرار الجدل حول طبيعة الأهداف التي تضعها موسكو ضمن قائمة أولوياتها خلال المرحلة المقبلة من الحرب.
في البداية، أكد د. عمار قناة، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية والتنبؤ السياسي بروسيا، أن التهديدات الروسية الأخيرة باستهداف مراكز القيادة واتخاذ القرار في أوكرانيا لا تعني بالضرورة أن الرئيس زيلينسكي أصبح هدف مباشر للكرملين.
وأضاف قناة في تصريحات لـ«إرم نيوز» أن مفهوم «مراكز اتخاذ القرار» يرتبط بأهداف ذات طابع عسكري وسياسي أكثر من ارتباطه بشخص الرئيس نفسه.
وأشار إلى أن اغتيال رئيس دولة أخرى ليس أمرا مستحيلا في ظل التطور التكنولوجي الحالي، إلا أن
روسيا لا ترى في هذا الخيار وسيلة لتحقيق أهدافها في الحرب، خاصة أن موسكو لا تعتبر استهداف زيلينسكي انتصار سياسي أو عسكري كما أنها لا تعتقد أن التخلص من رأس السلطة الأوكرانية سيؤدي تلقائيًا إلى إنهاء الأزمة أو إضعاف قدرة الدولة الأوكرانية على مواصلة القتال.
وأضاف مدير مركز الدراسات الاستراتيجية والتنبؤ السياسي بروسيا، أن اغتيال رئيس دولة يتعارض أيضًا مع قواعد القانون الدولي، وهو ما يجعل روسيا غير راغبة في اللجوء إلى هذا المسار.
ولفت إلى أن موسكو لا تسعى في الوقت الراهن إلى إحداث فراغ دستوري أو سياسي داخل أوكرانيا، بل تركز على تحقيق أهدافها العسكرية بالتوازي مع استمرار الحديث عن المسار التفاوضي.
وأكد أن الضربات الروسية الأخيرة ظلت موجهة نحو أهداف عسكرية واستراتيجية محددة، مشددًا على أن اغتيال زيلينسكي ليس مطروحا ضمن الأجندة الروسية الحالية، وأن موسكو ما زالت تفضل إدارة الصراع من خلال العمليات العسكرية الموجهة والمسار السياسي القائم بدلًا من استهداف رأس السلطة الأوكرانية بشكل مباشر.
من جانبه، أكد د. عماد أبو الرب، رئيس المركز الأوكراني للتواصل والحوار، أن التهديدات الروسية الأخيرة باستهداف مركز العاصمة كييف والمقار القيادية دفعت السلطات الأوكرانية إلى رفع مستوى التأهب الأمني وتعزيز إجراءات الحماية للمؤسسات السيادية ومراكز القيادة.
وأشار في تصريحات لـ«إرم نيوز» إلى أن هذه التهديدات تعكس تصعيدًا في الخطاب الروسي تجاه مراكز القرار الأوكرانية، إلا أنها لا تعني بالضرورة وجود قرار روسي باستهداف الرئيس فولوديمير زيلينسكي شخصيًا.
وأضاف أن موسكو قد تستخدم مثل هذه الرسائل في إطار زيادة الضغوط العسكرية والسياسية على أوكرانيا أو كوسيلة للضغط على حلفاء كييف
الأوروبيين لدفعهم نحو تبني مواقف أكثر تأثيرًا في مسار الأزمة.
وأوضح أبو الرب أن استمرار الحرب في ظل غياب تقدم حقيقي على المسار التفاوضي يفتح المجال أمام تصاعد التهديدات المتبادلة والخطابات المرتبطة بمراكز القيادة والقرار، مشددًا على أن الحل لا يكمن في توسيع دائرة الاستهدافات أو التصعيد العسكري.
وأكد أن إنهاء الصراع يتطلب إعادة تفعيل جهود الوساطة الدولية وإحياء الحوار بين موسكو وكييف، معتبرًا أن أي حديث عن استهداف القيادات السياسية يعكس مستوى التوتر القائم، لكنه لا يغني عن الحاجة إلى مسار تفاوضي قادر على الوصول إلى تسوية شاملة تنهي الحرب المستمرة.