تشير تقارير حديثة إلى تغييرات متزايدة في التفاهم الحساس المعروف باسم "الوضع القائم" في المسجد الأقصى، وسط قيود على مسؤولين تابعين للأوقاف الأردنية وتراجع أعداد المصلين المسلمين، مقابل السماح لمزيد من اليهود بأداء طقوس دينية في الموقع.
ويقول تقرير لموقع "DW" الألماني إن سكاناً في القدس أفادوا بأن عشرات المسؤولين في المسجد، والذين يعملون لدى الأردن، مُنعوا من دخول الأقصى خلال العام الجاري. ووفق جهات رقابية مقرها القدس، انخفض عدد المصلين المسلمين إلى النصف خلال عام 2025.
في المقابل، بات يُسمح لمزيد من المصلين اليهود بالدخول وأداء طقوسهم بصورة علنية، رغم أن ذلك ظل ممنوعاً لعقود، بما في ذلك من جانب سلطات دينية يهودية. وذكرت صحيفة "تايمز أوف
إسرائيل" في كانون الثاني أن الشرطة سمحت للمرة الأولى للزوار اليهود بإدخال أوراق صلاة مطبوعة إلى الموقع.
وفي حزيران، تحدثت تقارير عن خطة إسرائيلية أميركية لتحويل منطقة المسجد إلى "مركز متعدد الأديان"، لكن
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو نفى لاحقاً علمه بوجود مثل هذه الخطة.
جماعات متطرفة توسع نفوذها
ليست هذه المرة الأولى التي تحذر فيها حكومات دول ذات غالبية مسلمة وناشطون في القدس من تغيير الوضع القائم. فمنذ عقود، تطالب جماعات يهودية كانت تُعد هامشية، وتُعرف باسم "حركات جبل الهيكل"، بالسماح لها بالصلاة في الموقع، فيما تدعو أكثرها تطرفاً إلى هدم المسجد وبناء هيكل يهودي مكانه.
وكتب المحامي المقدسي دانيال سيدمان، مؤسس منظمة "القدس الأرضية" التي تتابع التطورات في المدينة، أن هذه الجماعات كانت تُهمَل في البداية، لكنها انتقلت تدريجياً إلى
التيار الرئيسي. وأوضح أن حركات "جبل الهيكل"، المدعومة من أكثر من 100 حاخام مرتبطين بحركة المستوطنين في الضفة الغربية، أصبحت أكثر حضوراً وصخباً واستفزازاً.
وقال عمر رحمن، الباحث في مجلس
الشرق الأوسط للشؤون الدولية، إن الأزمة تتشكل منذ عقود، مشيراً إلى اكتشاف مخططات لجماعات دينية متطرفة تستهدف تدمير المسجد الأقصى منذ ثمانينيات القرن الماضي. وأضاف أن هذه الجماعات وأفكارها باتت اليوم أكثر تمثيلاً داخل الكنيست
الإسرائيلي.
وفي تموز، صلى آلاف اليهود في باحات الأقصى، في انتهاك لاتفاق "الوضع القائم". كما خلص تقرير أصدرته جمعية "عير عميم" في تشرين الأول 2025 إلى أن سياسيين إسرائيليين، بينهم أعضاء في حزب "الليكود" الذي يتزعمه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يخالفون مراراً القواعد المتعلقة بالأقصى من دون أن يواجهوا أي إجراءات من السلطات.
ووفق الجمعية، يسمح نتنياهو عملياً بحدوث انتهاكات خطرة ويعمل على جعلها أمراً طبيعياً، رغم استمراره في إعلان
التزام حكومته بالوضع القائم وتأكيده عدم تغيّر شيء.
ارتدادات تتجاوز المنطقة
قال يوست هيلترمان، المستشار الخاص لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، إنه من الصعب التنبؤ بما قد يحدث إذا استمر تآكل الوضع القائم. لكنه أشار إلى أن قضية القدس تمثل أولوية فلسطينية، فيما يشكل مصير المقدسات الإسلامية فيها قضية تهم المسلمين حول العالم، بما يشمل دولاً كبرى مثل إندونيسيا وباكستان وبنغلادش.
وأضاف أن أي محاولة إسرائيلية لتغيير الوضع القائم قد تواجه رد فعل عالمياً. وسبق أن أدت تغييرات أو تحركات في الموقع إلى اندلاع أعمال عنف، إذ شكّلت زيارة زعيم المعارضة اليميني الإسرائيلي آنذاك أرييل شارون للأقصى عام 2000 أحد أسباب الانتفاضة
الفلسطينية الثانية. وفي عام 2017، أثار تركيب السلطات
الإسرائيلية كاميرات وبوابات للكشف عن المعادن احتجاجات دامية.
كما أعلنت منظمة "اليونسكو" البلدة القديمة في القدس، بما فيها الموقع، ضمن قائمة التراث العالمي، ما يعني أن أي تغييرات قد تُفسر، وفق مراقبين، بوصفها انتهاكاً للقانون الدولي.
ورجّح هيلترمان أن يؤدي استمرار الانتهاكات إلى احتجاجات واسعة في الدول ذات الغالبية المسلمة. وأوضح أن الحكومات العربية قد تتجنب مواجهة إسرائيل، لكنها ستواجه غضباً شعبياً قد يصعب احتواؤه، ما سيدفعها إلى إطلاق انتقادات قوية من دون اتخاذ خطوات عملية.
أما رحمن، فقال إن حجم التداعيات سيتوقف على مدى التغيير في الأقصى، محذراً من أن النتائج قد تتراوح بين رد دبلوماسي وحرب دينية كارثية. وأضاف أن أهمية المسجد في الإسلام قد تجعل من الصعب على بعض الدول مقاومة تصاعد المشاعر المعادية لإسرائيل، وقد تجد دول طبّعت علاقاتها معها، مثل المغرب والإمارات، نفسها مضطرة إلى التراجع عن ذلك.
وبسبب مكانة الأقصى في الهوية الفلسطينية، تؤكد حركة "حماس" باستمرار أنها تدافع عنه، فيما استخدمت جماعات متطرفة ذات خلفية إسلامية قضية الدفاع عن المسجد لاستقطاب عناصر جدد.