توقف الحفار فجأة بين ركام مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب جنوب إيران. مدّ أحد العمال يده وسحب شيئاً من بين الأنقاض. لم يكن قطعة معدن أو إسمنتاً مكسوراً، بل دفتر تمارين لطفلة في الثامنة من عمرها. على الغلاف كُتب اسمها: مهيا سالاري.
وبحسب "The Guardian"، لا تزال فرق العمل، بعد 5 أشهر على سقوط صاروخ على مدرسة "شجرة طيبة" في ميناب، تزيل الركام وتبحث عن بقايا طفل يُعتقد أنه لا يزال مدفوناً تحت الأنقاض.
ووفق مكتب الادعاء في ميناب، قُتل 156 شخصاً في المدرسة، بينهم 120 طفلاً، عندما أصابها صاروخ "Tomahawk" أميركي الصنع في اليوم الأول من الحرب.
في شوارع المدينة، تنتشر صور الضحايا على الجدران وواجهات المحال واللوحات الطرقية، حتى تحولت ميناب إلى أحد أبرز رموز المعاناة المدنية في إيران.
وعندما بدأ الهجوم الأميركي ـ
الإسرائيلي على إيران في 28 شباط، دعا الرئيس الأميركي
دونالد ترامب الإيرانيين إلى "السيطرة على مصيرهم". لكن الحرب، بدلاً من أن تفتح مساراً سياسياً جديداً، غيّرت البلاد بطرق لم يكن كثيرون يتوقعونها.
تروي "The Guardian" رحلة بالقطار من طهران إلى بندر عباس، تمتد لنحو 1448 كيلومتراً، وتربط قلب إيران السياسي بساحلها الجنوبي الاستراتيجي عند مضيق هرمز. يمر القطار بالجبال والصحراء وبالقرب من المواقع النووية في نطنز وفوردو، قبل أن يصل إلى الخليج.
داخل القطار، يجلس طلاب ولاعبو كرة ورجال أعمال وعائلات، وكل واحد منهم يحمل روايته الخاصة عن الحرب.
مع بداية العام، كانت الاحتجاجات المناهضة للحكومة قد انتشرت في البلاد بعد سنوات من
العقوبات القاسية، والأزمة الاقتصادية، والتضخم، والغضب من القيادة
الإيرانية. ثم جاءت الحرب لتطغى على كل شيء.
تقول آزاده، وهي محامية، إن الأيام الأولى من الحرب كانت مرعبة. وتضيف: "من طبيعة
الإيراني أن يتأقلم. حاولنا أن نواصل حياتنا، أن نحافظ على روتيننا وأن نبقى متفائلين".
لكنها تتجنب الحديث عن الاحتجاجات، وعن الذين اعتقدوا أن الحرب قد تجلب تغييراً سياسياً، وتصمت قبل أن تدير وجهها بعيداً عن الحديث.
أما رفيقتها في الرحلة، سبيده، وهي خبيرة تجميل، فتقول بوضوح: "أحب إيران كثيراً. لكن عندما أرى شبابي يضيع وأحلامي تتلاشى، لا يبقى أمامي سوى الرحيل".
في عربة أخرى، يتحدث لاعبا كرة شابان عائدان إلى منزلهما بعد استئناف الدوري المحلي الذي توقف أشهراً بسبب الحرب. وعندما يُسأل أحدهما عمّا بقي في ذاكرته، يجيب: "هاجموا مدرسة كانت مليئة بالأطفال. كانوا في السابعة والثامنة والتاسعة. البلد كله حزن. يوم الجنازة بكى الجميع".
من بندر عباس، يمتد الطريق نحو ميناب في رحلة تستغرق ساعتين. المدينة المعروفة بنخيلها وسوقها الأسبوعي باتت اليوم مدينة تسيطر عليها آثار الحرب. صور الأطفال القتلى معلقة على المباني وأعمدة الإنارة، ومدرسة "شجرة طيبة" لا تزال هيكلاً مدمراً.
كانت مهيا سالاري في المدرسة مع شقيقها الأصغر علي. وصلت والدتهما لاصطحابهما قبل وقت قصير من الضربة. قُتل الثلاثة معاً.
تقول المعلمة أمينة نادمي، التي درّست الصف الأول في المدرسة 6 سنوات: "لا يمكنك أن تسميها مدرسة بعد الآن. لم يبق سوى جدران تفوح منها رائحة الموت والحزن والدم".
وتتذكر الأهالي وهم يركضون حفاة نحو المبنى بعد الانفجار. وتقول: "ظننت أن الجميع تمكنوا من الهروب. لم أكن أعرف أنهم كانوا جميعاً تحت الركام".
وتشير الصحيفة إلى أن البنتاغون لم يقدم حتى الآن أجوبة واضحة بشأن قصف المدرسة، الذي وقع خلال ضربات استهدفت مجمعاً عسكرياً مجاوراً.
بالنسبة إلى بعض الإيرانيين الذين كانوا يراهنون على أن الضغط الخارجي قد يضعف الحكومة، أصبحت ميناب نقطة تحول. يقول أحد المشاركين السابقين في الاحتجاجات: "كنت أتقبل فكرة وجود حرب، لكن ليس بثمن قتل الأبرياء. الحرب تدمر كل شيء، ولا تميز بين الصالحين وغيرهم".
في مقبرة ميناب، تزور العائلات قبور أطفالها تحت شمس الظهيرة. تأتي مسومة مهران شخ آبادي تقريباً كل يوم إلى قبر ابنتها ستايش، البالغة 9 سنوات، التي قُتلت في الضربة. وتقول إن ما رأته يومها لا يمكن نسيانه، بعدما وصلت إلى المكان وسط الدخان والدمار.
إلى الغرب من ميناب، تقع بندر عباس، أكبر ميناء تجاري في إيران وبوابة مضيق هرمز. وإذا كانت ميناب قد صاغت رواية المعاناة المدنية، فإن بندر عباس تمثل المكان الذي تعرض فيه إيران قوتها.
يمر نحو خُمس
النفط والغاز المنقول بحراً في العالم عبر مضيق هرمز. ولذلك، كان نفوذ
إيران على هذا الممر البحري من أقوى أوراقها خلال الحرب.
وتضم بندر عباس البحرية الإيرانية التقليدية، إضافة إلى الذراع البحرية للحرس الثوري، ما جعلها هدفاً عسكرياً مهماً. وبحسب التقرير، سُجلت 96 ضربة أميركية على المدينة ومحيطها بين 28 شباط و8 نيسان.
على الواجهة البحرية، يواصل الصيادون عملهم قرب سفن شحن تنتظر المرور عبر المضيق. لكن أشهر الاضطراب تركت كثيرين منهم عاجزين عن كسب رزقهم بشكل طبيعي.
في طهران، تبدو الصورة مختلفة. خلال هدنة قصيرة، خرج مئات الآلاف، وبحسب الرواية الرسمية الملايين، للمشاركة في جنازة المرشد الأعلى علي خامنئي، بعد 4 أشهر على وفاته.
امتلأت الشوارع بالصور والأناشيد الثورية، وتعالت هتافات "الموت لأميركا" و"الموت لإسرائيل". كانت الجنازة لحظة حداد، لكنها أيضاً عرض سياسي منظم لإظهار الوحدة.
تقول امرأة تدعى ثريا، حضرت أول مسيرة سياسية في حياتها: "أعرف كثيرين كانوا يعارضون الحكومة. اليوم هم يدعمونها". لكن من الصعب معرفة ما إذا كان ذلك يعكس رأياً عاماً واسعاً أم مشهداً سياسياً صُنعته ظروف الحرب والخوف.
وبعد أيام، انهار وقف إطلاق النار.
تخلص "The Guardian" إلى أنه لا توجد رواية واحدة للحرب في إيران. فالبعض يرى أنها عززت الوحدة الوطنية، فيما يرى آخرون أنها عمقت القمع من دون أن تعالج الأسباب التي دفعت الناس إلى الشارع أصلاً.
من أنقاض مدرسة في ميناب، إلى ممرات الشحن في مضيق هرمز، ثم إلى حشود طهران، تبدو إيران بلداً تغير بفعل الحرب. ومع استمرار الصراع، يستمر الصراع الآخر أيضاً: من يكتب رواية ما حدث، وما الإرث الذي سيتركه خلفه؟