أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، في 11 آب 2026، أحكاماً بالإعدام بحق الرئيس السوري السابق بشار الأسد، وشقيقه ماهر الأسد، وابن خالهما عاطف نجيب، إلى جانب 6 آخرين، في أول حكم تصدره محكمة سورية ضد أفراد من العائلة التي حكمت البلاد لعقود.
وبحسب تحليل نشره "Just Security"، يمثل الحكم محطة رمزية مهمة في بلد بقي فيه منصب الرئيس فوق القانون لسنوات طويلة. لكنه في الوقت نفسه يكشف حدود أول محاولة سورية لمحاسبة قادة النظام السابق، بسبب مشكلات قانونية كبيرة، أبرزها إصدار عقوبة الإعدام في محاكمة غيابية.
وتعود القضية إلى أحداث درعا عام 2011، حين أدى اعتقال أطفال وتعذيبهم وقمع الاحتجاجات التي تبعت ذلك إلى إشعال الثورة
السورية. وكان عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي في درعا آنذاك، حاضراً في المحاكمة، بينما حوكم بشار وماهر الأسد غيابياً بعد فرارهما إلى
روسيا عقب سقوط النظام في كانون الأول 2024 وحصولهما على لجوء سياسي هناك.
ورأت المحكمة أن بشار الأسد كان صاحب السلطة
العليا على حملة القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي الواسعة في البلاد، وأن ماهر الأسد قاد الفرقة الرابعة التي كانت في طليعة القمع.
لكن المشكلة أن المحكمة لم تنشر بعد نص الحكم الكامل، المؤلف من 396 صفحة بحسب التقارير، ما يترك أسئلة أساسية بلا إجابة: ما الأساس القانوني لاختصاص المحكمة؟ كيف استندت إلى جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب رغم أن القانون السوري لا ينص عليها بوضوح؟ وما الأدلة التي تثبت مسؤولية القيادة لا الموقع السياسي فقط؟
ويشير التحليل إلى أن المحاكمة استمرت من 26 نيسان إلى 11 آب، عبر 9 جلسات فقط، وهي مدة قصيرة جداً لقضية بهذا الحجم تشمل مسؤولين كباراً وجرائم واسعة النطاق وأدلة معقدة.
وتثير المحاكمة الغيابية بدورها إشكالية كبيرة. فالمعايير الدولية لا تقبل محاكمة المتهم غيابياً إلا في ظروف ضيقة، مثل أن يكون قد أُبلغ رسمياً بالتهم ثم اختار الهرب أو الغياب. أما في حالة الأسد وشقيقه، فلا توجد مؤشرات إلى أنهما أُبلغا رسمياً أو عُيّن لهما دفاع قادر على الطعن في القضية.
كما يرفض كثير من منظمات حقوق الإنسان عقوبة الإعدام في كل الحالات، حتى في الجرائم الأشد فظاعة، لأنها لا يمكن التراجع عنها إذا وقع خطأ، ولأنها تصبح أكثر خطورة عندما تصدر بعد محاكمة لم يكن المتهم حاضراً فيها لمواجهة الأدلة.
ولا يعني ذلك أن جرائم النظام السابق يجب أن تمر بلا عقاب. على العكس، يرى التحليل أن توصيف الجرائم كجرائم ضد الإنسانية ضروري لأنه يلتقط طبيعتها المنهجية والواسعة، لا مجرد جرائم قتل أو تعذيب منفصلة. كما يسمح هذا التوصيف بالوصول إلى المسؤولين الذين أصدروا الأوامر أو سمحوا بالانتهاكات، حتى لو لم يشاركوا مباشرة في تنفيذها.
لكن تنفيذ الحكم يبقى مسألة سياسية أكثر منها قانونية، لأن روسيا لا تزال تحمي بشار وماهر الأسد. وقد يتحول تسليمهما مستقبلاً إلى ورقة تفاوض في صفقة أوسع، أو يصبح ممكناً إذا تغيرت السلطة في
موسكو.
ويطرح التحليل خياراً آخر هو انضمام
سوريا الجديدة إلى المحكمة الجنائية الدولية أو قبول اختصاصها. فالمحكمة الدولية قد تواجه صعوبة الحصول على المتهمين نفسها، لكنها تملك شرعية أكبر ومعايير محاكمة أكثر صرامة، كما أنها لا تصدر أحكام إعدام، ما قد يسهل على الدول الأوروبية الضغط لتسليم المتهمين.
في النهاية، لا تكفي أحكام فردية لبناء عدالة انتقالية حقيقية. فالمحاسبة تحتاج إلى منظومة أوسع تشمل كشف مصير المفقودين والمخفيين قسراً، وفتح أرشيف
الأجهزة الأمنية، وتحديد مواقع المقابر الجماعية، وتعويض الضحايا، وإصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية.
وقد تحتاج سوريا، بسبب ضخامة الجرائم وتعقيدها، إلى غرف قضائية متخصصة أو هيئة مختلطة سورية-دولية قادرة على إدارة هذه الملفات. فالعدالة لن تستمد قوتها من قسوة العقوبة، بل من نزاهة الإجراءات واستقلالها وقدرتها على محاسبة كل المسؤولين، لا طرف واحد أو مرحلة واحدة فقط.