دخل الجيش الإسرائيلي مرحلة مكثفة من اختبارات الجاهزية العسكرية، تتركز بصورة أساسية على سيناريو "الهجوم المفاجئ" والحرب متعددة الجبهات، في محاولة لاختبار مدى معالجة الثغرات التي ظهرت خلال هجوم 7 تشرين الأول 2023، وخصوصاً على مستوى القيادة والسيطرة، واستدعاء الاحتياط وسرعة تحريك القوات.
وفي هذا السياق، أطلق رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير مناورة مفاجئة حملت اسم "الفجر 2"، استهدفت اختبار هيئة الأركان والمقار الرئيسية والقيادات الإقليمية، وصولاً إلى الوحدات الموجودة في الميدان.
وبحسب بيان للجيش الإسرائيلي، شمل الاختبار قدرة القوات النظامية والاحتياطية على الاستجابة لحدث "مفاجئ ومعقد وواسع النطاق ومتعدد الجبهات"، إضافة إلى آليات اتخاذ القرار وسرعة تفعيل القوات في مختلف مستويات القيادة.
ولا تبدو المناورة حدثاً منفصلاً، إذ كان الجيش الإسرائيلي قد وضع ضمن برنامجه التدريبي لعام 2026 سلسلة من تدريبات هيئة الأركان والقيادات، مع إدخال الدروس المستخلصة من 7 تشرين الأول والحرب التي أعقبته ضمن سيناريوهات التدريب.
ويتضمن البرنامج 4 مناورات لهيئة الأركان، إلى جانب تدريبات للقيادات الشمالية والوسطى والجبهة الداخلية وقيادة العمق، فضلاً عن اختبارات جاهزية للألوية. كما تقرر إدخال سيناريوهات مفاجئة لاختبار القوات في الظروف القصوى.
وتكشف تحركات الأيام الأخيرة اتساع نطاق هذه الاختبارات. ففي مطلع أيلول، أجرى الجيش تدريباً واسعاً للفرقة 210 على الجبهة السورية، شاركت فيه قوات من قطاعات مجاورة وقيادة الجبهة الداخلية والسلطات المحلية وأجهزة الطوارئ والإنقاذ.
وشمل التدريب عشرات السيناريوهات، بينها حوادث متعددة الإصابات والإخلاء الطبي والقيادة والسيطرة خلال القتال، مع تركيز خاص على دروس 7 تشرين الأول وتفعيل قوات الاستجابة السريعة والقوات الخاصة والنيران في ظروف طارئة.
وفي الجنوب، امتدت التدريبات إلى منطقة إيلات ووادي عربة، حيث بدأت مناورات أخرى تستهدف رفع جاهزية القوات لمواجهة هجوم مفاجئ واسع على غرار سيناريو 7 تشرين الأول، ما يعكس تركيزاً إسرائيلياً متزايداً على احتمال التعرض لاختراق أو هجوم من الحدود الشرقية أيضاً.
ماذا جرى خلال "الفجر 2"؟
وسط هذه الصورة الأوسع، كشفت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية تفاصيل إضافية عن الاختبار المفاجئ، مشيرة إلى أن أقل من 10 أشخاص داخل الجيش كانوا على علم مسبق بتفاصيله، بهدف وضع القيادات أمام سيناريوهات لم تتح لها فرصة الاستعداد لها.
وبحسب الصحيفة، بدأت السيناريوهات من نطاق القيادة الشمالية، وتضمنت محاكاة تسلل ما بين 10 و15 عنصراً، وهجوماً على الطريق 60، وتسللاً إلى مستوطنة شيلوه، إضافة إلى سقوط صواريخ على السياج المحيط بها وعلى أبراج عزرائيلي في تل أبيب وأهداف استراتيجية أخرى.
كذلك، شملت السيناريوهات مسار نيزك يؤدي إلى سقوط عدد كبير من الضحايا، واختباراً للتعامل مع غارة معادية تستهدف 3 مستوطنات، في محاولة لخلق ضغط متزامن على أكثر من مستوى.
ونقلت "معاريف" عن مصدر عسكري أن سلاحي الجو والبحرية نفذا المهام الموكلة إليهما، إلا أن الاختبار أظهر تعقيدات على مستوى القيادة، إذ واجه بعض القادة صعوبة في تكوين صورة واضحة للمشهد العملياتي وتحديد مصدر الخلل.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنظر إلى الهدف المعلن للمناورة، إذ أكد زامير أن الجيش بات يعتمد مبدأ الاستعداد الدائم لهجوم مفاجئ، وأن الاختبار يبدأ من الجندي في الموقع وصولاً إلى مراكز القيادة وهيئة الأركان.
تعطيل الأنظمة واختبار القيادة
ولرفع مستوى الضغط، عمد مخططو "الفجر 2"، وفق "معاريف"، إلى تعطيل أنظمة داخل الجيش، ما تسبب بإرباك هيئة الأركان واختبر قدرة القيادة على مواصلة العمل عند انهيار جزء من منظومة الاتصال أو القيادة والسيطرة.
وفي إحدى الحالات، صدر أمر خطي بنقل كتيبة إلى فرقة غزة، لكن تأخر قائدها في الوصول استدعى تعيين قائد بديل.
كذلك، ركز الاختبار على واحدة من أبرز المسائل التي برزت في 7 تشرين الأول، وهي سرعة تحريك قوات الاحتياط وتوزيع وحدات الدعم اللوجستي من دون تشتيتها في مناطق لا تحتاج إليها.
وبحسب المصدر العسكري الذي تحدثت إليه "معاريف"، أظهرت تجربة 7 تشرين الأول ضرورة امتلاك الفرق العسكرية قوات احتياطية مرتبطة بها مباشرة، إلى جانب وحدات دعم عمليات خاصة بكل فرقة، بما يسمح للقائد بتفعيلها سريعاً عند وقوع حدث مفاجئ.
الجبهة الشرقية وإيران
ويبرز البعد الشرقي بصورة لافتة في التدريبات الإسرائيلية الأخيرة. فإلى جانب المناورات الجارية قرب إيلات ووادي عربة، تضمنت "الفجر 2"، بحسب "معاريف"، معلومات استخباراتية افتراضية عن احتمال وقوع غارات أو هجمات في 4 أو 5 مواقع على الجبهة الشرقية.
لكن المناورة لم تتضمن سيناريو لتدخل عسكري إيراني مباشر، إذ قال المصدر العسكري إن وقوع تطور من هذا الحجم كان سيؤدي إلى وقف التمرين والانتقال إلى حشد القوات الفعلية.
وبذلك، تبدو "الفجر 2" جزءاً من مسار تدريبي أوسع لاختبار ما إذا كان الجيش الإسرائيلي قد نجح فعلياً في تحويل تحقيقات 7 تشرين الأول إلى إجراءات عملياتية، وليس مجرد مناورة منفردة.
وعليه، فإن الاختبارات الأخيرة تمتد من الجولان والجبهة الشمالية إلى إيلات والحدود الشرقية، فيما يركز برنامج التدريب لعام 2026 على عنصر واحد بصورة متكررة: منع تكرار سيناريو تجد فيه القيادة الإسرائيلية نفسها أمام هجوم مفاجئ واسع فيما تتأخر القوات والاحتياط ومراكز القيادة في فهم ما يجري والاستجابة له.