لم تعد الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين في أوروبا حدثاً عابراً مرتبطاً بموجة غضب مؤقتة. ففي ساحة "Piazza Duomo" وسط ميلانو، يواصل ناشطون وقفاتهم اليومية بين السياح، احتجاجاً على ما يرونه جرائم إسرائيلية في غزة والضفة الغربية، واستمرار الدعم الأوروبي لتل أبيب.
وبحسب تقرير لـ"Courthouse News"، فإن هذه الوقفة في قلب العاصمة المالية لإيطاليا ليست سوى واحدة من عشرات التحركات التي لا تزال مستمرة في أوروبا، بعد نحو 3 سنوات على هجوم "حماس" في 7 تشرين الأول 2023، وما تبعه من حرب إسرائيلية واسعة.
وقال أندريا دي لوتو، وهو معلم ابتدائي يبلغ 61 عاماً ومتحدث باسم المحتجين، إن ما يجمعهم هو "فضيحة تقاعس القادة" والغضب والألم مما يحدث في فلسطين. وأضاف أن دعم الحكومات لما يجري بات، في نظره، أمراً "مخزياً تماماً".
ويعكس استمرار هذه التحركات تحولاً أوسع في الرأي العام الأوروبي. فبحسب استطلاعات حديثة لمركزي "Pew Research Center" و"YouGov"، تراجع الدعم الشعبي لإسرائيل بشكل حاد في عدد من الدول الأوروبية، بالتوازي مع صعود الدعوات إلى فرض حظر أسلحة وعقوبات ومقاطعة تجارية.
وساهمت سلسلة حوادث في زيادة التوتر بين إسرائيل وشرائح واسعة من الأوروبيين. فقد تعرضت الكنيسة الكاثوليكية الوحيدة في غزة لقصف إسرائيلي في تموز 2025 أدى إلى مقتل 3 أشخاص وإصابة كاهن، فيما قالت إسرائيل إن الأمر نتج عن "قذيفة طائشة". وفي القدس، منعت الشرطة بطريرك اللاتين من دخول كنيسة القيامة لإحياء قداس أحد الشعانين، ما دفع الفاتيكان إلى التنديد بما اعتبره انتهاكاً خطيراً للحرية الدينية.
وفي الضفة الغربية، تعرضت بلدة الطيبة، وهي القرية المسيحية الوحيدة بالكامل هناك، لهجمات متكررة من مستوطنين. أما في لبنان، فقد زاد إطلاق النار الإسرائيلي على قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، التي تضم عدداً كبيراً من الأوروبيين، من حدة الانتقادات.
كذلك، أثارت إسرائيل غضباً واسعاً بعدما اعترضت منذ أيار 2025 قوارب ناشطين، بينهم السويدية غريتا تونبرغ، كانوا يحاولون إيصال مساعدات إلى غزة.
وقالت النائبة السويدية اليسارية في البرلمان الأوروبي هانا غيدين إن على الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات قاسية على الوزراء الإسرائيليين المسؤولين، وتعليق اتفاق التجارة مع إسرائيل، وفرض حظر أسلحة. وكانت إسرائيل قد منعتها أخيراً من دخول أراضيها بسبب تصريحاتها الداعمة لملاحقة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمام المحكمة الجنائية الدولية.
ورغم هذا المناخ، لا تزال العلاقات الأوروبية-الإسرائيلية مستمرة إلى حد كبير. فالتجارة بين الجانبين بقيت قوية، إذ يُعد الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لإسرائيل، وبلغت صادرات إسرائيل إلى الاتحاد نحو 18.8 مليار دولار العام الماضي، فيما وصل حجم التجارة المتبادلة عام 2024 إلى نحو 80 مليار دولار.
كما يستمر التعاون العسكري. وتشير تقارير إلى أن ألمانيا، أكبر مورّد أوروبي للسلاح إلى إسرائيل، وافقت على تراخيص تصدير أسلحة إلى تل أبيب بأكثر من 900 مليون دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026.
ويرى منتقدون أن أوروبا تتعامل بمعيارين مختلفين مع أوكرانيا وفلسطين. وقال يائير والاخ، أستاذ التاريخ الاجتماعي والثقافي لفلسطين وإسرائيل في جامعة لندن، إن الرد الأوروبي المختلف تماماً على الحرب في أوكرانيا وما يجري في فلسطين يكشف بوضوح عن ازدواجية في المعايير.
لكن قدرة الاتحاد الأوروبي على التحرك تبقى محدودة بفعل الانقسامات الداخلية بين الدول الـ27، إذ تحتاج القرارات الخارجية الكبرى إلى توافق واسع. وتزداد الصعوبة مع اختلاف مواقف العواصم الأوروبية من إسرائيل، ومع اعتبار بعض الحكومات أن إيران وحلفاءها يشكلون تهديداً أكبر لسلاسل الإمداد والطاقة.
ورغم ذلك، بدأت دول أوروبية تتحرك بشكل منفرد. فمنذ عام 2024، اعترفت فرنسا وبريطانيا وإسبانيا وإيرلندا والسويد والبرتغال والنرويج وسلوفينيا ولوكسمبورغ ومالطا بدولة فلسطين. كما وافق الاتحاد الأوروبي في أيار على فرض عقوبات على عدد من المستوطنين الإسرائيليين المتطرفين المتورطين في أعمال عنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية.
وفي خطوات رمزية لكنها لافتة، حظرت إسبانيا وإيرلندا استيراد منتجات المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ثم انضمت بريطانيا في 8 أيلول إلى هذا المسار. وتُقدر صادرات المستوطنات إلى أوروبا بنحو 267 مليون دولار سنوياً وفق أرقام البنك الدولي.
أما النقاش الأكبر، فيدور الآن حول احتمال تعليق اتفاق التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. فهذا الاتفاق، الموقّع عام 2000، يجعل احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية جزءاً أساسياً من العلاقة التجارية. ويقول منتقدون إن استمرار الحرب والانتهاكات يضع الاتفاق نفسه موضع مساءلة.
لكن تعليق الاتفاق لا يزال مستبعداً في ظل معارضة دول وازنة مثل ألمانيا وإيطاليا، إضافة إلى الحسابات الجيوسياسية المرتبطة بالطاقة والأمن الإقليمي.
مع ذلك، تبدو المزاجية الشعبية الأوروبية أكثر تشدداً تجاه إسرائيل. ففي ميلانو، يقول دي لوتو إن الوقفة بدأت قبل 14 شهراً بعشرة أشخاص فقط، ثم أصبح المشاركون نحو 150 يومياً. ويضيف: "لا أحد يشعر بأنه يريد التوقف".