رغم الأداء الاقتصادي الذي تجاوز التوقعات في السنوات الأخيرة، يدخل الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا ولايته الرابعة وسط تحديات مالية وسياسية وأمنية، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الأسر بسبب الديون وكلفة الاقتراض، فيما يواجه صعوبة في حشد أكثرية برلمانية لدعم سياساته.
وبحسب تقرير نشره موقع "Firstpost"، بلغ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للبرازيل 2.654 تريليون دولار، لتحتل المرتبة العاشرة عالمياً، فيما بلغ الناتج وفق تعادل القوة الشرائية 5.266 تريليونات دولار، في المرتبة الثامنة عالمياً. وسجل الاقتصاد نمواً بنسبة 2.3% عام 2025.
لكن الدين العام تجاوز 82% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تأخر نحو 84 مليون برازيلي عن سداد ديون منزلية أو مستحقات بطاقات ائتمان، وسط ارتفاع كلفة الاقتراض.
وفاز لولا، البالغ 80 عاماً، في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في 25 تشرين الأول، بحصوله على 51.7% من الأصوات الصحيحة، متقدماً بنحو 4.3 ملايين صوت على منافسه بولسونارو. وبذلك أصبح أول رئيس برازيلي يُنتخب لولاية رئاسية رابعة، على أن يتولى مهامه في 5 كانون الثاني 2027.
ويحدد التقرير خمسة تحديات رئيسية ستواجهه خلال ولايته المقبلة:
1- كونغرس من دون أكثرية مؤيدة
لن يتمتع لولا بأكثرية برلمانية، كما في ولايته الحالية. فقد عززت الانتخابات التشريعية التي جرت في وقت سابق من الشهر الجاري موقع اليمين، وأصبح الحزب الليبرالي الذي ينتمي إليه بولسونارو القوة الأكبر، مع 121 مقعداً من أصل 513 في مجلس النواب و28 مقعداً من أصل 81 في مجلس الشيوخ.
وسيحتاج الرئيس إلى التفاوض مع ما يُعرف بكتلة "الوسط الكبير"، وهي مجموعة من أحزاب يمين الوسط التي تدعم عادةً الجهة الموجودة في السلطة مقابل الحصول على مكاسب. لكن التفاوض معها بات أكثر صعوبة، وفق عالمة السياسة مايرا غولارت من الجامعة الفدرالية في ريو دي جانيرو، التي أشارت إلى أن النواب باتوا يتحكمون بحصة أكبر من الموازنة الفدرالية، ما يمنحهم استقلالية أوسع عن السلطة التنفيذية.
2- الدين العام والضغوط المالية
وصف الخبير الاقتصادي ماورو روشلين، من مؤسسة غيتوليو فارغاس، المشكلة المالية بأنها التحدي الأكبر للبرازيل، قائلاً إن "مشكلات البرازيل الثلاث الكبرى هي المشكلة المالية، والمشكلة المالية، والمشكلة المالية".
وتنفق الدولة أكثر مما تجمعه من إيرادات، فيما يتجاوز الدين العام 80% من الناتج المحلي الإجمالي، ويحافظ البنك المركزي على أسعار فائدة من بين الأعلى عالمياً بهدف احتواء التضخم.
وحذّر روشلين من أن الوضع قد يتحول سريعاً إلى أزمة اقتصادية، معتبراً أن التصحيح المالي بات حتمياً، لكنه يتطلب إجراءات غير شعبية ومواجهة مجموعات ضغط قوية داخل الكونغرس.
وقد يتعارض هذا المسار مع برامج لولا الاجتماعية، التي ساهمت في إخراج ملايين الأشخاص من الفقر، والتي وسّعها خلال حملته الانتخابية، وسط انتقادات حادة من المعارضة.
3- الجماعات الإجرامية والأمن
احتلت المخاوف الأمنية موقعاً بارزاً في الحملة الانتخابية، في ظل القلق من العنف وانتشار الجماعات الإجرامية والميليشيات التي تسيطر على مناطق في عدد من المدن.
ويواجه لولا ضغوطاً لإظهار نتائج ملموسة في هذا الملف، بعدما اتهمته المعارضة بالتساهل في التعامل مع الجريمة.
وخلال حملته، أعلن تأييده خفض سن المسؤولية الجنائية من 18 إلى 16 عاماً في الجرائم الخطيرة، فيما يريد اليمين السياسي خفضه إلى 14 عاماً.
4- الغموض المحيط بالإصلاح الضريبي
حصل لولا عام 2023 على موافقة الكونغرس على إصلاح واسع للضرائب على الاستهلاك، ومن المقرر أن يبدأ تطبيق ضريبة القيمة المضافة الجديدة في كانون الثاني.
لكن الحكومة لم تكن قد كشفت، قبل أقل من ثلاثة أشهر من موعد التطبيق، عن المعدل الفعلي للضريبة، فيما قدّر محللون مستقلون أنه سيبلغ نحو 28%.
كذلك، أجّلت الإدارة إرسال مشروع قانون إلى الكونغرس لتنظيم ضريبة جديدة على منتجات تعتبر ضارة بالصحة أو البيئة، مثل السجائر والكحول، خشية ردود الفعل خلال الحملة الانتخابية. وقد يؤدي هذا التأجيل إلى إرجاء الإيرادات المتوقعة من الضريبة، وأثار انتقادات لطريقة تعامل الحكومة مع السياسة الضريبية.
5- العلاقة مع الولايات المتحدة وترامب
خاض لولا حملته الانتخابية متعهداً حماية السيادة البرازيلية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع تدخل الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد فرض رسوماً جمركية على البرازيل العام الماضي، رداً على الإجراءات القضائية بحق حليفه جايير بولسونارو، قبل أن يفرض رسوماً إضافية بنسبة 25% على بعض المنتجات البرازيلية هذا العام.
وسيكون على لولا إدارة علاقته بواشنطن من دون التخلي عن خطابه المناهض للهيمنة، في ظل تعزيز إدارة ترامب حضورها في المنطقة، واصطفاف قادة من اليمين في أميركا اللاتينية إلى جانب الرئيس الأميركي، ضمن اتجاه يُعرف باسم "الموجة البرتقالية".
لكن أستاذ العلاقات الدولية في مؤسسة غيتوليو فارغاس أوليفر ستوينكل يرى أن الأيديولوجيا تؤثر في اللقاءات الرمزية أكثر مما تؤثر في الممارسة العملية، مستشهداً بالعلاقات البرازيلية الأرجنتينية، التي لم يتغير مضمونها كثيراً رغم الإهانات التي وجهها الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي إلى لولا. (Firstpost)