ليست كل المواقف السياسية متشابهة في دلالاتها، وليست كل الكلمات التي تُقال في أعقاب المآسي قادرة على التعبير عن حقيقة الدولة وموقع المواطن فيها. ففي لحظات الألم والاختبار، تتراجع الشعارات إلى الخلف، وتتقدم المواقف العملية لتكشف مدى رسوخ مفهوم المواطنة في وجدان القيادة والمجتمع.
من هنا، تكتسب مواقف ملك الاردن عبدالله الثاني إزاء الاعتداء الإرهابي الذي استهدف كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود في محافظة الكرك أهمية تتجاوز حدود إدانة جريمة استهدفت مواطنين داخل مكان للعبادة. فقد أكد الملك أن أمن الأردنيين وسلامتهم خط أحمر، وأن الدولة لن تتهاون في ملاحقة المسؤولين عن الجريمة ومحاسبة كل من أيدها أو بررها، مشددًا على أن مثل هذه الأعمال لن تنجح في زعزعة الوحدة الوطنية. كما ترأس اجتماعًا لمجلس الأمن القومي لمتابعة التحقيقات وتعزيز الإجراءات الأمنية ومواجهة الخطاب الذي قد يستغل الجريمة لإثارة الفتنة.
إن أهمية هذا الموقف لا تكمن فقط في الحزم الذي أظهرته القيادة الأردنية في مواجهة الإرهاب، بل في الرسالة الوطنية التي حملها. فالاعتداء على مواطن
أردني ليس اعتداءً على جماعة دينية بعينها، بل على
الأردن كله، وعلى حق كل مواطن في الحياة والأمان والكرامة.
وهنا تحديدًا، تبرز قيمة المواطنة التي لا تحتاج إلى كثير من الخطب كي تثبت حضورها، بقدر ما تحتاج إلى دولة تتعامل مع أبنائها على أساس انتمائهم الوطني، وتصون حقوقهم من دون تمييز، وتؤكد أن دور العبادة، مهما اختلفت، تقع تحت حماية القانون، وأن كرامة الإنسان لا تتجزأ بحسب عقيدته أو طائفته.
الأردن... من مفهوم العيش المشترك إلى حقيقة المواطنة
كثيرًا ما نسمع في بلداننا العربية عبارات رنانة عن العيش المشترك، والتسامح، وقبول الآخر، حتى بات بعضها يُستعمل في المناسبات أكثر مما يُترجم إلى ممارسات ثابتة في الحياة العامة. وليس المقصود التقليل من أهمية هذه القيم، بل التمييز بين أن تكون شعارًا للاستهلاك السياسي والإعلامي، وأن تتحول إلى قاعدة تحكم علاقة المواطن بدولته وعلاقته بسائر المواطنين.
فالعيش المشترك، في معناه الأعمق، لا يقوم على أن تتسامح جماعة مع وجود جماعة أخرى، وكأن وجودها يحتاج إلى إذن أو استثناء. إنه يقوم على الاعتراف بأن الجميع أصحاب حق أصيل في الوطن، وأن الاختلاف الديني لا ينتقص من المواطنة، ولا يضع صاحبه في مرتبة أدنى، ولا يجعله مطالبًا في كل مناسبة بإثبات ولائه أو تبرير انتمائه.
وهذه هي النقطة التي تستحق التوقف عندها في التجربة الأردنية. إن المواطن المسيحي ليس ضيفًا على وطن مسلم، كما أن المواطن
المسلم ليس صاحب امتياز على حساب شريكه المسيحي. كلاهما أردني، تجمعهما الدولة والقانون والأرض والمصير، وتترتب عليهما الحقوق والواجبات الوطنية نفسها.
ولا يعني ذلك أن الأردن خالٍ من التحديات أو أن تجربة المواطنة فيه بلغت الكمال، فكل دولة مطالبة بمراجعة ممارساتها وتطوير مؤسساتها وضمان المساواة الفعلية أمام القانون. لكن ما يلفت الانتباه في الموقف الملكي من جريمة الكرك هو الإصرار على منع تحويل الجريمة إلى مواجهة بين مكونات المجتمع، وعلى إبقاء المسؤولية في إطارها الصحيح: فمسؤولية مرتكبي الاعتداء ومن يثبت تورطهم فيه، لا مسؤولية جماعة دينية بأكملها.
من الصعب تناول مفهوم المواطنة
في الأردن من دون الإشارة إلى دور القيادة الهاشمية في ترسيخ الهوية الوطنية الجامعة، وفي التأكيد المتكرر أن أمن
المملكة ووحدتها واستقرارها مسؤولية مشتركة بين جميع أبنائها.
وقد جاءت توجيهات الملك عبدالله الثاني بعد الاعتداء لتؤكد هذا المنحى، إذ لم تقتصر على ملاحقة الجناة، بل شملت أيضًا مواجهة الشائعات والمعلومات المضللة، ومراجعة السياسات الرامية إلى مكافحة الفكر المتطرف ومعالجة جذوره، وتعزيز سيادة القانون وهيبة الدولة.
الولاء الحقيقي
إن الولاء للدولة، في هذا السياق، ليس مجرد عبارة تُردّد في المناسبات الوطنية، ولا موقفًا ظرفيًا يُستحضر عند وقوع الأزمات. إنه علاقة متبادلة: دولة تحمي مواطنيها وتصون حقوقهم، ومواطنون يلتزمون بقوانينها ويحترمون مؤسساتها، ويضعون المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات التي قد تدفعهم إلى الانقسام أو التعصب.
ومن هنا، فإن الحديث عن الولاء المطلق للدولة يحتاج إلى فهم دقيق، وهو أن الولاء الوطني لا يعني إلغاء حرية الرأي أو منع الانتقاد والمساءلة، بل يعني أن تكون الدولة، بمؤسساتها وقانونها ودستورها، المرجعية الجامعة التي يحتكم إليها الجميع، وأن يكون الانتماء الوطني أوسع من كل انتماء فرعي، دينيًا كان أم طائفيًا أم عشائريًا أم سياسيًا.
فالدولة القوية ليست تلك التي تطلب من مواطنيها التشابه، بل تلك التي تحمي اختلافهم، وتمنع أن يتحول هذا الاختلاف إلى أداة للتمييز أو العنف أو تقويض السلم الأهلي.
إن استهداف كنيسة في الكرك لا يجرح مشاعر
المسيحيين الأردنيين وحدهم، بل يصيب كل أردني يؤمن بأن حرية العبادة حق، وأن الإنسان لا يفقد أمنه وكرامته عندما يدخل مكانًا مقدسًا، وأن الاختلاف في الإيمان لا يبرر الاعتداء على الحياة.
ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن تخرج بها المملكة من هذه الجريمة هي ألا يُسمح للإرهاب بأن يحقق، عبر ردود الفعل والانقسامات، ما عجز عن تحقيقه بالرصاص. فلا يجوز أن تتحول الجريمة إلى مناسبة لتبادل الاتهامات بين
المسلمين والمسيحيين، أو إلى مادة للتحريض، أو إلى اختبار متكرر لوطنية فئة من الأردنيين دون غيرها.
وقد حذرت الحكومة الأردنية، في معرض تناولها القضية، من التعميم على أي مكوّن اجتماعي، مؤكدة أن المواطنة لا تُعرّف بالانتماء الديني أو الاجتماعي، وأن مواجهة التطرف مسؤولية وطنية ومؤسسية ومجتمعية مشترك.
وهنا يظهر الفارق بين مجتمع يكتفي بترديد عبارة "نحن نعيش معًا"، ومجتمع يترجمها إلى موقف عملي حين يتعرض أحد أبنائه للقتل أو التهديد بسبب مكان عبادته. ففي الحالة الثانية، لا يعود التضامن مجاملة، بل يصبح تأكيدًا على وحدة المصير وعلى أن الاعتداء على أي مواطن يمس الجميع.
رسالة من الاردن إلى العالم
من حق الأردن، في أعقاب هذه الجريمة، أن يعتز بما أظهره موقف قيادته ومؤسساته ومجتمعه من تمسك بالوحدة الوطنية. لكن الأهم من الاعتزاز هو تحويل هذا الموقف إلى نهج دائم، عبر ترسيخ المساواة أمام القانون، وحماية الحريات
الدينية، وتطوير التربية الوطنية، ومواجهة خطاب الكراهية، وضمان ألا يبقى أي مواطن مضطرًا إلى الاستناد إلى طائفته أو جماعته كي يشعر بالأمان.
وإذا كان ثمة درس يستحق أن يقتدي به الآخرون، فهو أن الاستقرار لا يُبنى بمجرد الدعوة إلى التسامح، بل بإقامة دولة يشعر فيها المواطن أن حقوقه مصونة بحكم القانون، لا بفضل الحماية الاستثنائية أو الوساطة أو التوازنات الطائفية.
فالمواطنة الحقيقية لا تسأل المواطن عن طائفته قبل أن تحميه، ولا تقيس حقه في الانتماء بمدى قربه من هذه الجماعة أو تلك. إنها تبدأ من قاعدة بسيطة وواضحة: أنت مواطن، ولذلك لك حقوق وعليك واجبات، ولست في حاجة إلى أي صفة إضافية كي تكون شريكًا كاملًا في وطنك.
إن موقف الملك عبدالله الثاني من جريمة كنيسة الكرك يفتح الباب أمام نقاش يتجاوز حدود الإدانة والملاحقة الأمنية إلى جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالقوة ليست في منع الجريمة فحسب، بل أيضًا في منعها من تمزيق النسيج الوطني، وفي تأكيد أن المعتدي لا يستطيع أن يفرض على المجتمع هوية قائمة على الخوف والانقسام.
قد تختلف المعتقدات، وتتباين الآراء، وتتعدد الانتماءات، لكن الدولة التي تنجح في ترسيخ المواطنة تجعل الجميع يلتقون عند حقيقة واحدة: نحن أبناء وطن واحد، وحقوقنا وكرامتنا وأمننا لا تتجزأ.
وهذه هي المواطنة التي تستحق أن تكون أساس الدولة، لا شعارًا يُرفع في المناسبات، ثم يُنسى عند أول اختبار.