أفادت صحيفة "The Guardian" البريطانية، في تقرير بأن العالم يواجه مرحلة متزايدة من الاضطرابات والصراعات المتشابكة، في ظل سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي ساهمت في تأجيج أزمات دولية وإقليمية، وسط تساؤلات بشأن قدرة الدبلوماسية على استعادة زمام المبادرة واحتواء التداعيات.
وبحسب التقرير الّذي ترجمه "
لبنان 24"، باتت الأزمات في مناطق مختلفة من العالم مترابطة بصورة متزايدة، إذ لم تعد التطورات في
الشرق الأوسط وأوكرانيا منفصلة عن بعضها، بل أصبحت تؤثر في التوازنات الدولية والاقتصاد العالمي، في وقت تواجه فيه القوى الكبرى صعوبة في احتواء التصعيد أو التوصل إلى تسويات مستدامة.
وأشار التقرير إلى أن الحرب الأميركية
الإسرائيلية على إيران أواخر شباط الماضي أطلقت تداعيات تجاوزت حدود المنطقة، مستشهداً بتوصيف المبعوث الأميركي توم باراك للمشهد، إذ شبّه انتقال آثار الحرب بتحول حرائق صغيرة إلى حرائق واسعة، معتبراً أن الشرق الأوسط يشبه مكعب "روبيك"، حيث يؤدي تحريك جزء منه إلى تغيير المشهد بأكمله.
وأوضح التقرير أن هذه التداعيات ترتبط بتحولات عميقة في النظام الدولي، وتراجع قدرة المؤسسات التقليدية على إدارة التنافس بين القوى الكبرى. ونقل عن الخبير الأميركي في العلاقات الدولية تشارلز كوبتشان قوله إن العالم يشهد تحولات جذرية في موازين القوة، بالتزامن مع اضطرابات اجتماعية واقتصادية تنعكس على الحياة السياسية والعلاقات الدولية.
واعتبر التقرير أن ترامب يعكس اتجاهاً عالمياً أوسع، لكن شخصيته المتقلبة واندفاعه وغياب المبادئ في سياسته تضاعف الأضرار التي يمكن أن تلحق بالنظام الدولي.
الحرب على إيران
وفي ما يتعلق بالحرب على إيران، وصف التقرير إياها بأنها الخطأ الأكثر تأثيراً في ولاية ترامب، مشيراً إلى أن معالجة الملف الإيراني كان يمكن أن تتم دبلوماسياً، خصوصاً أن اتفاقاً بشأن البرنامج النووي الإيراني كان قريباً من التوصل إليه قبل الضربات العسكرية، وفق ما أكده
وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، الذي تولى الوساطة في المحادثات الأميركية الإيرانية.
وبحسب التقرير، تجاوزت تداعيات الحرب الجانب الإقليمي، لتؤثر في الاقتصاد العالمي، وترفع التضخم إلى نحو 4%، فيما وصل سعر برميل خام برنت إلى 117 دولاراً، بزيادة 50% مقارنة بمستوياته قبل الحرب.
ولفت التقرير إلى أن مضيق هرمز تحول إلى ورقة ضغط إيرانية، في حين توقع صندوق النقد الدولي انكماش الناتج المحلي الإجمالي السعودي بنسبة 3.3%، بعدما كانت توقعاته في تموز تشير إلى نمو بنسبة 1.7%.
وأضاف أن
السعودية رفعت توقعاتها لعجز موازنة عام 2026 إلى 65.3 مليار دولار، بزيادة 48% عن التقديرات الأولية.
ولم تقتصر التداعيات على الاقتصاد، إذ لم تؤدِّ الحرب إلى إضعاف النظام الإيراني بالشكل المتوقع، بل ساهمت في تعزيز نفوذ المتشددين المحيطين بالمرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، ودفعت الحرس الثوري إلى تعديل عقيدته الدفاعية بما يسمح بتنفيذ ضربات استباقية قد تتجاوز استهداف القواعد الأميركية.
وأشار التقرير إلى اختلاف الأهداف الأميركية والإسرائيلية خلال الحرب، إذ ركزت واشنطن على الملف النووي، بينما سعى رئيس الوزراء
الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى إسقاط النظام الإيراني.
ترامب يحوّل الأنظار نحو أوكرانيا
وفي سياق متصل، رأى التقرير أن تراجع شعبية ترامب داخلياً بسبب الحرب وتداعياتها الاقتصادية دفعه إلى تحويل المسؤولية عن ارتفاع أسعار الطاقة نحو أوكرانيا، عبر تحميل الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية جزءاً من مسؤولية ارتفاع الأسعار.
وبحسب التقرير، جدد ترامب مواقفه العدائية تجاه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، مطالباً إياه بالتنحي ومحمّلاً إياه مسؤولية عرقلة السلام، بالتزامن مع حديثه عن مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي بين واشنطن وموسكو.
وأشار التقرير إلى إعلان الإدارة الأميركية هدنة في قطاع الطاقة لمدة 60 يوماً، من دون موافقة زيلينسكي أو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عليها، كما تناول قضية تقييد وصول القوات الأوكرانية إلى النسخة العسكرية من نظام "ستارلينك"، التابع لشركة "سبايس إكس"، وسط تضارب الروايات الأميركية بشأن القرار.
واعتبر التقرير أن تداخل الحربين الإيرانية والأوكرانية منح موسكو فرصة لتعزيز موقعها التفاوضي، إذ يسعى بوتين إلى استغلال رغبة ترامب في إنهاء الحربين لانتزاع تنازلات بشأن أوكرانيا، وفق شروط أقرب إلى المصالح الروسية.
وأضاف أن ترامب اتخذ خطوات من شأنها إعادة تأهيل بوتين دولياً، أبرزها دعوته للمشاركة في قمة مجموعة العشرين التي تستضيفها
الولايات المتحدة في نادي غولف تابع لترامب بالقرب من ميامي، رغم اعتراضات داخل الحزب
الجمهوري.
أوروبا تعيد حساباتها
وفي محور آخر، أشار التقرير إلى أن عدداً متزايداً من الدول بدأ يدرك مخاطر الاعتماد على الولايات المتحدة، بعدما باتت إدارة ترامب مستعدة لاستبعاد حلفائها أو التعامل معهم وفق مصالحها الخاصة.
ونقل التقرير عن وزيرة الخارجية الكندية السابقة كريستيا فريلاند قولها إن اعتقاد بعض القادة بأن تقديم الهدايا والمبالغة في إطراء ترامب كفيل بكسب وده لم يحمِ مصالحهم بالضرورة.
وفي أوروبا، اعتبر التقرير أن تحميل أوكرانيا مسؤولية تداعيات الحرب على إيران عمّق الخلاف مع واشنطن، خصوصاً أن الأوروبيين ينظرون إلى
روسيا باعتبارها تهديداً وجودياً، بينما يتعامل معها ترامب بوصفها فرصة للتعاون الاقتصادي.
ولفت إلى أن المستشار الألماني فريدريش ميرتس عبّر عن قلقه من النفوذ الروسي داخل المجتمع الألماني، فيما اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن غضب المواطنين بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود مشروع، رغم أن فرنسا لم تشارك في الحرب.
كما نقل عن رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك إقراره بأن أسعار الوقود أصبحت باهظة، محمّلاً ترامب مسؤولية الأزمة.
ستارلينك والسيادة الرقمية
وفي ما يتعلق بالتكنولوجيا، رأى التقرير أن تدخلات إيلون ماسك في إدارة شركة "سبايس إكس" عززت المخاوف الأوروبية من الاعتماد على التكنولوجيا الأميركية، وأعادت طرح ضرورة تحقيق السيادة الرقمية وتقليص النفوذ الخارجي على البنية التكنولوجية الأوروبية.
وأشار إلى أن المفوضية الأوروبية اقترحت تخصيص 70% من نطاق الترددات البالغ 2 غيغاهرتز، الذي يتيح للهواتف الذكية الاتصال مباشرة بالأقمار الاصطناعية، للشركات الأوروبية، في خطوة تحد من وصول شركات مثل "ستارلينك" إلى هذه الموارد.
كما نقل التقرير عن فريلاند تحذيرها من أن الدول ستعيد التفكير قبل شراء مقاتلات "إف 35"، التي تخضع أنظمتها لسيطرة البنتاغون، بسبب مخاطر الاعتماد العسكري والتكنولوجي على واشنطن.
الخليج وإيران
أما في الشرق الأوسط، فأشار التقرير إلى أن بعض القوى الإقليمية بدأت تعيد النظر في اعتمادها الأمني على الولايات المتحدة، في ظل مخاوف من إعطاء واشنطن الأولوية للمصالح الإسرائيلية.
وتوقف التقرير عند دعوة وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي إلى إنشاء اتفاق أمني خليجي يشمل إيران، معتبراً أن هذه الخطوة قد تشكل تحولاً استراتيجياً مهماً، لما تحمله من دلالات بشأن احتمال تراجع دور الولايات المتحدة بوصفها الضامن الأمني الأساسي لدول الخليج.
ولفت إلى أن إيران لا تزال موضع شكوك عميقة لدى دول الخليج، إلا أن المبادرة العُمانية تعكس توجهاً نحو البحث عن ترتيبات إقليمية جديدة، في ظل إدراك أن الحروب قد تندلع بصورة مفاجئة، بينما يحتاج تحقيق السلام إلى جهود سياسية مستمرة.
وختم التقرير بالإشارة إلى أن تراجع الثقة بقدرة المؤسسات الدولية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية على معالجة الأزمات يفرض على الدول المؤمنة بالعمل الجماعي والدبلوماسية التحرك لاستعادة دورها.
وشدد التقرير على أن العالم بات بحاجة إلى استعادة زمام المبادرة من الأطراف التي تسهم في هدم النظام الدولي، بدلاً من ترك الأزمات تتوسع وتتحول إلى صراعات يصعب احتواؤها.