لم تقتصر تداعيات خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسي الكونغرس الأميركي على انتقال موازين القوى في واشنطن إلى الديمقراطيين، بل فتحت أيضاً الباب أمام صراع داخل الحزب الجمهوري حول مستقبله وقيادته، مع بدء طرح أسماء مرشحين محتملين لخلافة الرئيس دونالد ترامب في مرحلة ما بعده.
وبحسب تقرير نشره موقع "India Today"، وضعت نتائج انتخابات منتصف الولاية الحزب أمام تحديين متزامنين: التعامل مع موقعه كأقلية في الكونغرس، ومواجهة مراكز نفوذ متنافسة بدأت تتشكل داخله استعداداً للمرحلة المقبلة. فالنتيجة لم تعكس استياء الناخبين من أداء
ترامب في الاقتصاد والحرب مع
إيران وإدارة البلاد فحسب، بل أعادت أيضاً طرح مستقبل نفوذه داخل الحزب الذي هيمن على قراراته طوال عقد تقريباً.
ورغم أن ترامب سيبقى في
البيت الأبيض حتى كانون الثاني 2029، ولا يحق له دستورياً الترشح لولاية رئاسية ثالثة، فإن خسارة الجمهوريين قد تحدّ من نفوذه السياسي، بعدما باتت أجندته التشريعية والتعيينات التي يقترحها أمام رقابة ديمقراطية أشد، فيما يستعد الحزب لمعركة داخلية حول اتجاهه وقيادته.
الديمقراطيون يقيّدون أجندة ترامب
وبحسب التوقعات التي استند إليها التقرير إلى وكالة "أسوشيتد برس" و"رويترز" وشبكات إعلامية كبرى، تمكّن الديمقراطيون من انتزاع سبعة مقاعد في مجلس الشيوخ وأكثر من عشرين مقعداً في مجلس النواب.
وشملت أبرز النتائج فوز جيمس تالاريكو على المدعي العام تكساس كين باكستون، منهياً احتكار الجمهوريين لمقعد الولاية في مجلس الشيوخ منذ 38 عاماً، كما فازت جينا هينوجوسا بمنصب حاكم تكساس، بعد إطاحتها الحاكم الجمهوري غريغ أبوت. وفي كانساس، أصبح آدم هاميلتون أول ديمقراطي يفوز بمقعد في مجلس الشيوخ عن الولاية منذ الكساد الكبير، فيما حققت آني أندروز فوزاً في ساوث كارولاينا، في أول انتصار ديمقراطي بمقعد الولاية في المجلس منذ نحو ثلاثة عقود.
ومع استعادة الديمقراطيين السيطرة على المجلسين، سيحصلون على صلاحيات التحقيق والاستدعاء، ورئاسة اللجان، فضلاً عن القدرة على عرقلة بعض تعيينات ترامب أو إبطائها، بما فيها التعيينات الوزارية والقضائية. ويتوقع أن تشمل التحقيقات سياسات الإدارة والحرب مع إيران، إضافة إلى المصالح التجارية لعائلة الرئيس.
لكن ترامب سيحتفظ بحق النقض الرئاسي وبالصلاحيات التنفيذية الواسعة، فيما ينتهي في كانون الثاني 2027 عهد السيطرة الجمهورية على البيت الأبيض والكونغرس الذي بدأ بعد انتخابات 2024. ويشير التقرير إلى أن المشهد يعيد إلى الأذهان النصف الثاني من ولاية ترامب الأولى، عندما قيّد مجلس النواب الذي سيطر عليه الديمقراطيون تحركاته، لكن مع فارق أن الديمقراطيين سيمتلكون هذه المرة نفوذاً في مجلس الشيوخ أيضاً.
من سيخلف ترامب؟
داخل الحزب الجمهوري، تتجه الأنظار إلى
نائب الرئيس جاي دي فانس، الذي يُنظر إليه منذ فترة طويلة باعتباره أبرز المرشحين لخلافة ترامب. غير أن ارتباطه بإدارة تواجه نتائج انتخابية سلبية قد يعقّد موقعه، بعدما خاض حملة انتخابية واسعة بصفته ممثلاً للرئيس، وتولى أيضاً مسؤولية تمويل اللجنة الوطنية الجمهورية.
في المقابل، يبقى
وزير الخارجية ماركو روبيو اسماً محتملاً للمنافسة، مستفيداً من صورة سياسية أكثر تقليدية، إلى جانب حاكم فلوريدا رون ديسانتيس والسيناتور عن تكساس تيد كروز، الذين يردون ضمن الأسماء المطروحة في النقاشات المتعلقة بمرحلة ما بعد ترامب.
ويشير التقرير إلى أن خسارة الجمهوريين كانت تفرض على الطامحين إلى قيادة الحزب البحث عن مسافة سياسية بينهم وبين الرئيس، مع استمرار حاجتهم إلى مراعاة نفوذه داخل
القاعدة الشعبية. وفي هذا السياق، تحدث استراتيجيون جمهوريون عن مرحلة مراجعة داخلية، بين من يدعون إلى العودة إلى المحافظة المالية واستبعاد المرشحين المرتبطين بالخطاب الأكثر استقطاباً، ومن يحذرون من أن نفوذ ترامب الشخصي لن يتراجع بسهولة.
كما كشفت الحرب مع إيران والرسوم الجمركية والتراجع الاقتصادي عن انقسامات داخل التحالف الذي أوصل ترامب إلى الفوز في انتخابات 2024، بعدما ابتعدت نتائج الجمهوريين في عدد من المناطق عن مستوياتهم السابقة، حتى في مناطق كانت قد صوّتت لترامب.
هل تستمر "ماغا" من دون ترامب؟
ولا يرى التقرير أن مستقبل حركة "ماغا" مرتبط بالضرورة ببقاء ترامب في واجهة المشهد. إذ يلفت إلى بروز شبكات سياسية وتنظيمية تسعى إلى الحفاظ على البنية التي قامت عليها الحركة، حتى بعد غياب مؤسسها عن السباق الرئاسي.
ومن أبرز الأمثلة شبكة "روك بريدج"، التي أسسها الاستراتيجي المحافظ كريس بوسكيرك، وتعمل على جمع المانحين الأثرياء والاستراتيجيين السياسيين ومحللي البيانات والناشطين في إطار منظومة موحدة. ولا يقتصر نشاطها على الحملات الانتخابية التقليدية، بل يشمل قواعد بيانات الناخبين والتواصل الموجّه والتعبئة الشعبية.
وأنفقت المجموعة المرتبطة بها، "Turnout for America"، بحسب التقرير، 34.5 مليون دولار على أنشطة التعبئة الشعبية خلال حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، بما في ذلك التواصل المباشر مع الناخبين في الولايات المتأرجحة.
ويقوم التصور السياسي الذي يطرحه بوسكيرك على مفهوم "الأرستوبوبولية"، الذي يسعى إلى الجمع بين النفوذ الاقتصادي لرجال الأعمال الأثرياء والقوة الانتخابية للطبقة العاملة، من خلال توظيف رأس المال والتكنولوجيا والابتكار لتعزيز الصناعة الأميركية. ويرى التقرير أن هذا التوجه قد يتيح للجمهوريين الاحتفاظ بالقومية الاقتصادية والجاذبية الشعبوية التي ميّزت "ماغا"، مع نقل القيادة إلى شبكة من رجال الأعمال والمانحين والاستراتيجيين السياسيين.
وبذلك، قد تتمكن الحركة من الاستمرار سياسياً من دون أن يكون ترامب واجهتها، من دون أن يعني ذلك التخلي عن الأفكار والسياسات التي أسهمت في صعوده.
ومع اقتراب انتخابات 2028، يجد الجمهوريون أنفسهم أمام خيارين مطروحين: التمسك بالقومية الشعبوية التي طبعت سنوات ترامب، أو إعادة ضبط خطابهم سعياً إلى توسيع قاعدتهم الانتخابية. لكن التقرير يشير إلى أن أياً من المسارين لا يضمن النجاح، في ظل استمرار قدرة ترامب على التأثير من البيت الأبيض، واحتفاظه بقاعدة شعبية ونفوذ داخل الحزب.
وتخلص القراءة إلى أن انتخابات 2026 أنهت مرحلة حكم جمهوري لم يواجه خلالها ترامب مقاومة فعلية من الكونغرس، وفتحت في الوقت نفسه نقاشاً حول مستقبل الحزب والحركة التي ارتبطت باسمه. فالرئيس سيبقى في منصبه لعامين إضافيين، لكن الصراع على المرحلة التي تليه بدأ بالفعل.