في حالة نادرة لم تحدث على مستوى دول العالم المتقدمة أو حتى المتخلفة، يُنشئ جيش الاحتلال الإسرائيلي سجناً من نوع خاص قرب قرية "الجفتلك" بالأغوار الشمالية، ليس لوضع الخارجين عن القانون أو المقاومين الفلسطينيين بداخله؛ بل لسجن "الحيوانات" فقط.
هذا السجن الغريب من نوعه يلاحق فيه جنود الاحتلال الدواب (الأبقار والماعز والأغنام والحمير)، التي تعود ملكيتها لمواطنين فلسطينيين في مناطق الضفة والأغوار، ويلقون القبض عليها ويضعونها داخل السجن، والأغرب من هذا وذاك أنها تقدم للحيوانات الأسيرة تهم أبرزها" الاقتراب من معسكرات الاحتلال أو الرعي في المناطق العسكرية".
ويوجد داخل هذا السجن الكبير والذي يقوم بحراسته سجانون إسرائيليون العشرات من "الأبقار والماعز والحمير وحتى للكلاب الضالة كان لها نصيب في الأسر"، وتقفل عليهم السجن جيداً ولا يسمح لأصحابها بأخذها إلا بشروط أو عرضها بالمزاد للبيع.
تهم موجهة للحيوانات الأسيرة
المزارع راجح أبو الرب، من سكان قرية "الجفتلك" بالأغوار الشمالية، والتي تحتجز قوات الاحتلال عدداً من ماشيته منذ شهر تقريباً داخل السجن المخصص لـ"الدواب"، أكد أن قوات الاحتلال اقتحمت مزرعته واعتقلت عددا من الأبقار والماعز ولا تزال تحتجزهم حتى اللحظة وتضع شروطا مقابل الإفراج عنهم.
وأضاف أبو الرب: "حاولت التوجه لقوات الاحتلال والتوصل لحل للإفراج عن ماشيتي المحتجزة، إلا أنهم رفضوا بشدة وأصروا على أن أدفع آلاف الشواكل (العملة الإسرائيلية) مقابل الإفراج عنهم أو وضعهم في المزاد للبيع، بعد توجيه تهمه الرعي في مناطق تصنف عسكرية للدواب المحتجزة".
وتابع: "اعتمد بشكل كبير على الأبقار والماعز، واحتجازها من قبل قوات الاحتلال تسبب بضرر كبير، وتعطلت مزرعتي التي أعتاش منها أنا وعائلتي الصغيرة، وما يقوم به الاحتلال مخالف للقوانين وتعدي واضح وسافر على الفلسطينيين وحقوقهم وأراضيهم الزراعية".
خطوات الاحتلال القمعية ضد سكان قرية "الجفتلك" لم تتوقف عند المزارع "أبو الرب"، بل طالت كذلك راعي الأغنام، ياسر النواري، بعد اعتقال قوات الاحتلال لـ"حماره" الوحيد وحجزه الخميس الماضي في السجن القريب من قريته والمخصص لـ"الحيوانات".
وقال النواري: "قوات الاحتلال احتجزت حماري واقتادته للسجن، ووجهت له تهمة أنه "كان يتجول قريباً من منطقة عسكرية مغلقة"، مشيراً إلى أن "حماره كان يبحث عن الطعام والأعشاب ولا يعلم أين يتجه، لكن الاحتلال قام بحجزه، في حادثة غريبة ولم تحدث على مستوى دول العالم".
ولفت إلى أن "قوات الاحتلال طلبت منه دفع غرامة مالية قدرها 1000 شيقل مقابل الإفراج عنه وتسليمه" مؤكداً أن "المبلغ كبير وأغلى من ثمن الحمار أصلاً، مما اضطره لترك حماره الذي يعتمد عليه بشكل كبير في المواصلات وجلب الأغراض الهامة لقريته أسيراً داخل السجن الإسرائيلي".
ويتواجد داخل سجن "الدواب" قرب قرية "الجفتلك" بالأغوار الشمالية، ما يقارب الـ70 نوعا من الماشية التي تعود ملكيتها للفلسطينيين، وتقوم سلطات الاحتلال بإنذار أصحاب المواشي بدفع غرامات مالية طائلة جداً ما يضطرهم لتركها، فيما يقوم الاحتلال ببيعها بمزاد علني.
ومنذ سنوات تتعمد قوات الاحتلال في منطقة الأغوار وكافة القرى المحيطة بها، سياسة تضييق الخناق على سكانها الفلسطينيين، وتقوم بملاحق المزارعين ورعاة الأغنام بشكل يومي وتفرض عليهم غرامات مالية هائلة وتحتجز عدد كبير من معداتهم الزراعية والدواب الخاصة بهم.
وتعد المواشي والدواب عصب الحياة للمواطنين من سكان الأغوار الشمالية، سيما وأنها تستخدم للتغلب على التضاريس الوعرة وغياب البنى التحتية، إضافة إلى أن الأغوار تحوي مخزون الماشية الرئيسي في الضفة الغربية.
حرب على القرى لترحيل سكانها
من جانبه، أكد يوسف الضراغمة، الناشط الحقوقي في الأغوار الشمالية، أن قوات الاحتلال تتعمد اتخاذ كل الخطوات التي من شانها التضييق على سكان القرى المحيطة بالأغوار الشمالية، بهدف تنفيذ مخططاتهم العنصرية في تهجير السكان.
وأوضح الضراغمة أن إنشاء سجن لـ"الدواب" التي يعتمد عليها المزارعين، وربطها بكل خطوات التضييق عليهم وحملات التجريف لبيوتهم وأراضيهم الزراعية وقتل ماشيتهم بصورة متعمدة وعلى الطرقات وضرب الثروة الزراعية والحيوانية، يؤكد وجود مخطط وحرب ضد كل من هو فلسطيني في الأغوار والقرى المحيطة بها.
وأشار إلى أن "اعتداءات قوات الاحتلال على الفلسطينيين في تلك القرى ترتفع يوماً بعد يوم، ونحن في حالة رصد ومتابعة دائما تلك الاعتداءات التي تم تسجيل العشرات منها بداية العام الجاري 2017" مؤكداً أن "قوات الاحتلال أعلنت رسمياً الحرب على القرى الفلسطينية والوضع بات خطير للغاية".
وشدد على أن "الفلسطينيين سيتحدون ويتصدون لكل محاولات ترحيلهم من قراهم وبيوتهم ويبقوا شوكة في حلق الاحتلال الإسرائيلي الغاصب لأرضهم وحقوقهم".
ويسكن في الأغوار، نحو 10 آلاف فلسطيني منهم 5 آلاف في الأغوار الشمالية، في بيوت من الصفيح، وخيام، وتمنعهم إسرائيل من تشييد المنازل، ويعتمدون في حياتهم على تربية المواشي والزراعة.
وتنظر إسرائيل إلى هذه المنطقة كمحمية أمنية واقتصادية وعسكرية، وتردد أنها تريد أن تحتفظ بالوجود الأمني فيها ضمن أي حل مع الفلسطينيين، لكن الفلسطينيين يقولون إنهم لن يبنوا دولتهم من دون الأغوار.
(الخليج اونلاين)