في شوارع يعمُّها الدمار وبين أبنية مهدمة، يعلو صوت مقاتلي "قوات سوريا الديمقراطية" عبر مكبِّرات الصوت: "أيها المدنيُّون، نحن بانتظاركم، اخرجوا الى المناطق الآمنة"، في وقت تشهد مدينة الرقة آخر المعارك ضد تنظيم "داعش"، بحسب ما أوردت وكالة "فرانس برس" في تقرير نشر اليوم الجمعة.
وتلاحق "قوات سوريا الديمقراطية" وهي تحالف فصائل كردية وعربية مدعومة من واشنطن، آخر المسلّحين في مدينة الرقة، معقلهم الأبرز في سوريا بعد معارك عنيفة دامت نحو أربعة أشهر، وبين جدران أبنية مدمَّرة، يقف مقاتلو "قوات سوريا الديمقراطية" مترقّبين خروج مدنيين من شارع قرب صوامع الحبوب قبل أن يدخلوا إليه لطرد مقاتلي تنظيم "داعش" منه.
وينقل التَّقرير عن المقاتل أحمد أبو الشيخ، الذي يقود وحدة خاصة لإنقاذ المدنيين، قوله لوكالة "فرانس برس": "جئنا إلى هنا لوجود تجمعات للمدنيين بالقرب من هذه النقطة وقد حصلنا على معلومات بخروجهم"، ويضيف: "هناك 70 متراً تفصلنا عن المدنيين، وسوف نقوم بإخراجهم من قبضة داعش".
وضع المقاتلون على ظهر شاحنة مكبّرات صوت ضخمة في شارع تكسوه الحجارة المحطمة وتحيط به الأبنية المدمَّرة وبقايا شراشف علّقها المسلّحون بين العمارات تفاديا لتحديد مواقعهم من قبل طائرات الاستطلاع. ويصيح أحد المقاتلين عبر المايكروفون مرّات عدة قائلاً: "إلى أهالينا الذين لا يزالون موجودين تحت رحمة "داعش"، نتمنّى من كلّ الأهالي الذين يسمعون الصوت التوجه إلى مكان الصوت (...) التوجّه إلى المناطق المحرَّرة".
مدنيون في المستشفى
تخوض "قوات سوريا الديمقراطية" بدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن منذ السادس من حزيران معارك داخل مدينة الرقة لطرد تنظيم "داعش" من معقله الأبرز في سوريا، في ما سيشكّل أكبر هزيمة للتنظيم في هذا البلد. وباتت تسيطر على الجزء الأكبر منها. ودفعت المعارك في الرقة عشرات آلاف المدنيين إلى الفرار. كما قتل المئات جراء غارات التحالف الدولي، وآخرون برصاص المسلّحين أثناء محاولتهم الهرب، في الوقت الذي تتضارب فيه التقديرات حول عدد المدنيين المتبقين داخل المدينة، وتحدّثت الأمم المتحدة في آخر تقديراتها عن وجود نحو 15 ألف شخص في أوضاع معيشية صعبة.
وانعكست المعارك دماراً كبيراً في المدينة التي لا تزال تنتشر فيها مخلفات "داعش" من شعارات ولافتات تدعو إلى "الجهاد"، كما كتب بالخط الأسود العريض على أبواب بعض المحال التجارية عبارة "الله أكبر".
في شوارع المدينة، تنتشر السواتر الترابية التي شكلت خلال المعارك الخط الفاصل بين "قوات سوريا الديمقراطية ومقاتلي "داعش".
تتفقد المتحدثة باسم حملة "قوات سوريا الديمقراطية" في الرقّة "غضب الفرات" الشوارع والأحياء التي باتت تحت سيطرة القوات بالكامل، من شارع سيف الدولة الى شارع المعتز والمحافظة في المدينة القديمة المحاطة بسور أثري من العهد العباسي. وتقول جيهان شيخ أحمد: "نعبر للمرة الأولى من الجبهة الغربية للرقة الى الجهة الشرقية بعدما سيطرت قواتنا على غالبية المدينة".
وكانت "قوات سوريا الديمقراطية" دخلت أساساً مدينة الرقة من جبهتين الشرقية والغربية وتقدمت من الجهتين لتحاصر الجهاديين في وسط المدينة. وتؤكد شيخ أحمد "أنّنا نسيطر على 80 في المئة من الرقة والعشرين في المئة المتبقية تحت نيران قواتنا".
وتدور معارك في آخر عشرين في المئة من مدينة الرقة في بقعة يتواجد فيها مقاتلون من الطرفين، وفق "قوات سوريا الديمقراطية"، التي تقوم بعمليات تمشيط في المدينة، وفق شيخ أحمد التي تضيف: "يتحصّن عناصر داعش في المستشفى الوطني والملعب البلدي والحدائق المحيطة بالملعب" في وسط المدينة. وتضم هذه المنطقة وفق قولها "أنفاقاً تمتد الى العديد من الاماكن الاستراتيجية".
وتسعى "قوات سوريا الديمقراطية" حالياً إلى "السيطرة على المستشفى الوطني ولكن داعش يحتجز مدنيين فيه كدروع بشرية ما يؤخر تقدمنا لتحرير المستشفى"، وتؤكّد شيخ أحمد "أنّنا في المرحلة الأخيرة بانتظار أن نزفّ النصر لأهلنا في الرقة خلال أسابيع (...) النصر قريب".
"صفحات التاريخ"
تبدو الأجواء حماسية بين مقاتلي "قوات سوريا الديمقراطية" الذين خاضوا معارك عنيفة في شوارع هذه المدينة، ولا يأبه هؤلاء لدوي الانفجارات الناجمة عن غارات تشنتها طائرات التحالف الدولي ضد آخر مواقع الجهاديين، ولا للدخان الاسود المتصاعد من بعيد. وتوضح القيادية في حملة "غضب الفرات" روجدا فلات وحولها مقاتلات من وحدات "حماية المرأة الكردية" أنّه "لم يعدّ لديهم القدرة الكافية لشنِّ الهجمات وتفجير السيارات المفخخة، ويتضح ذلك في تحركاتهم الاخيرة"، وتضيف: "نتوقع أن يتم قتلهم جميعاً في الرقة".
وعلى وقع موسيقى تقليدية، يرقص مقاتلون من "قوات سوريا الديمقراطية" الدبكة. يتجول آخرون في الشوارع، وتلتقط مقاتلات وضعن على رؤوسهن شالات كردية تقليدية مزركشة صوراً تذكارية.
ويقول المقاتل العشريني برخدان: "وعدنا أصدقاءنا الذين استشهدوا بالنصر"، مضيفاً: "نشعر بالسعادة لأننا نشهد لحظات تاريخية بسقوط الرقة وهزيمة داعش (...) سوف يدخل تحرير الرقة في صفحات التاريخ".
(أ.ف.ب)