لحسن الحظ أصبح العالم أكثر أمناً قليلاً، نظراً لأنه تم إيداع نسخة ثانية من البذور النباتية النادرة التي كانت موجودة في سوريا في مكان نائٍ في الدائرة القطبية الشمالية، أما النسخة الأصلية فهي محاصرة بالحرب في شمالي سوريا، حسب مجلة فوربس الأميركية.
الأخصائي في حفظ النباتات السوري علي شحادة يبحث منذ أعوام عن الجينات الموجودة في البذور التي نزرعها اليوم، وما يسميه هو "أقاربهم البريين" (الأقارب البريون في عالم النباتات هي نباتات برية ترتبط بنفس الجينات مع النباتات التي نزرعها)، بحسب صحيفة نيويورك تايمز الأميركية.
ويهدف شحادة إلى حماية هذه البذور التي ربما تكون قوية الاحتمال بما يكفي لإطعامنا في المستقبل، وذلك عندما تصبح الكثير من المناطق الأخرى في العالم حارة وقاحلة وغير قابلة للعيش.
سحب البذور
كان المركز الدولي للبحث الزراعي في المناطق الجافة مفضلاً لدى الحكومة السورية. إذ ساعدت أبحاث هذا المركز، الذي يقع في حلب، في اكتفاء سوريا الذاتي من إنتاج القمح. وكان سحب هذه البذور ضرورياً بسبب الحرب الأهلية السورية.
وبحلول عام 2014، اقترب القتال من مقر المركز في حلب وحقله الممتد في تل هادية القريب منها. وسُرِقَت شاحنات المركز، واختفت المولدات. أما معظم أغنام العواسي ذات الذيل السمين، التي كان المركز يُربِّيها بغرض إنتاج المزيد من الألبان ولأنَّها تستهلك مياهاً أقل، فقد نُهِبَت وأُكَِلَت.
لم يستطع العاملون بالمركز الوصول إلى البذور الموجودة فيه، لذا لم يتمكنوا من توزيعها من أجل الاستخدام، ولم يكُن من الممكن إعادة إنتاج عيناتٍ جديدة. وفي النهاية هرَّب شحادة والعلماء الآخرون ما استطاعوا حمله، وفروا منضمين بذلك إلى نصف سكان البلاد الذين يعيشون في المنفى.
وواجهت أهم مشروعات المركز، وهو بنك البذور الذي يحتوي على 155 ألف تنويعة من محاصيل المنطقة الأساسية، أي ما يشبه نوعاً من الأرشيف الزراعي للهلال الخصيب، خطر الانقراض.
لكن كان لدى باحثي المركز نسخة احتياطية، إذ بدأ المركز عام 2008، قبل الحرب بوقتٍ طويل، في إرسال نماذج إضافية إلى خزينة سفالبارد العالمية للبذور، التي تُسمَّي خزينة يوم القيامة، المدفونة بجانب جبل في جزيرة نرويجية فوق الدائرة القطبية.
ومع تفكك حلب عام 2015، اقترض علماء المركز بعض البذور التي كانوا قد خزنوها في سفالبارد، وبدأوا في البناء من جديد. ولكنَّهم هذه المرة انتشروا، وأنشأوا بنكاً للبذور في المغرب، وواحداً آخر عبر الحدود السورية مع لبنان في البقاع.
وما زال مقر حلب يحتوي على أكبر مجموعةٍ من البذور في المنطقة، 141 ألف صنف من القمح والشعير والعدس والفول وما يشبهها، على الرغم من أنَّ شحادة وزملاءه لا يعرفون حالة هذه البذور.
تغير الطقس في الشرق الاوسط
لم يتوقع مُصمِّمو القبو قدوم مثل هذا الجو الدافئ بشدة الذي شهده العالم في نهاية أسخن عام سُجِّلَ على الإطلاق (2016)، جراء الأنشطة البشرية المضرة بالبيئة.
فقد ارتفعت درجات الحرارة بما لا يقل عن 0.2 درجة مئوية/عقد في الشرق الأوسط منذ عام 1961 حتى عام 1990، وارتفعت بما يقترب من 0.4 درجة مئوية في الفترة التي أعقبت عام 1990، وذلك بحسب أندرو نوبل، الذي كان نائب مدير المركز للأبحاث حتى وقتٍ قريب.
وقال شحادة إنَّ هذا الأمر هو سبب هوسه بالأقارب البرية للبذور التي يزرعها معظم الفلاحين اليوم. يتجنب شحادة البذور المُعدَّلة جينياً، إذ يريد بدلاً منها أن يستفيد من كنوز هذه الأقارب البرية، التي عادةً ما تكون صلبة وأفضل تكيفاً مع المناخات القاسية. وقال شحادة: "تُشكِّل هذه البذور مخزوناً جيداً".
ويبحث شحادة عن السمات الجينية التي يقول إنَّها سوف تصبح مفيدة للغاية في المستقبل، ألا وهي: مقاومة الأوبئة، أو الرياح الحارة، أو القدرة على تحمل فصول الصيف شديدة الحرارة.
ومع اقتراب فصل الصيف، أصبحت صوبات شحادة شبه خالية. في إحدى هذه الصوبات ثمة بذور شعير، عادةً ما توجد في مراعي المرتفعات، محفوظة في أكياس قماشية صغيرة. وفي صوبةٍ أخرى، ثمة أوان صغيرة من البرسيم.
قريباً سوف تؤخذ هذه البذور إلى الداخل بعد تجفيفها، وتكييسها، وتصنيفها. بعض البذور المجموعة هنا محفوظة في عددٍ من غرف التخزين الباردة، وبعضها للفلاحين كي يحاولوا زراعتها في الحقول. وثمة مجموعة كاملة من البذور ستذهب إلى سفالبارد: إذ يقوم المركز بالتدريج بإعادة البذور التي سحبها إلى البنك. وقد حمل شحادة في أوائل شهر أيلول الحالي 31 صندوقاً من البذور في آخر شحنة إلى النرويج.
وتحتوي مجموعة المركز الكاملة من البذور التي غذت شعوب الشرق الأوسط لقرون على 14700 صنف من قمح الخبز، و32 ألف صنف من الشعير وما يقترب من 16 ألف صنف من الحمص، وهو العنصر الأبرز في الفلافل. ويستضيف بنك البذور اللبناني حوالي 39 ألف صنف إضافي، ويحتوي بنك المغرب على 32 ألف صنف آخر. ولمعظم هذه الأصناف نسخ احتياطية في سفالبارد.
(هاف بوست عربي)