عندما يوجِّه مدير جهاز الاستخبارات الخارجيّة الروسيّة سيرغي ناريشكين اتّهامًا مباشِرًا وصريحًا لأجهزة الاستخبارات الأميركيّة والبريطانيّة بالوقوف وراء حادثة تسميم العميل المزدوَج سيرغي سكريبال وابنته يوليا في مدينة سالزبوري يوم الرابع من شهر آذار الفائت، ويكشف النقاب عن أنّ سفراء البلدين مارسوا ضغوطًا على حلفائهم في عددٍ من الدول الأوروبيّة والأطلسيّة والآسيويّة للسير وراء واشنطن ولندن في حملة "الاستفزازات السخيفة" الموجَّهة ضدّ روسيا على خلفيّة المزاعم بشأن تورُّطها في تلك الحادثة، فإنّ هذا الكلام لا بدَّ من أن يؤخَذ على محمل الجدّ باعتباره يؤشِّر إلى أنّ ديناميّة الجهود الديبلوماسيّة الروسيّة المبذولة في هذه الأثناء من أجل الكشف عن كافّة ملابسات الحادثة وتحديد هويّة المتورِّطين الحقيقيّين لن تتوقَّف قبل التوصُّل إلى فكّ شيفرات هذا اللغز الاستخباراتيّ المعقَّد بشكلٍ كاملٍ، وهي الجهود التي كانت قد اكتسبت خلال الساعات القليلة الماضية قوّةَ دفعٍ إضافيّةً بعدما تمّ الإعلان عن أنّ نتائج التحليلات التي أجراها مختبر "بورتون داون" البريطانيّ للمادّة المستخدَمة في حادثة التسميم فشلت في إظهار أيِّ دليلٍ على أنّ مصدرها روسيا.
وإذا كان المتحدِّث باسم قصر الكرملين ديميتري بيسكوف قد سارع إلى مطالبة رئيسة الوزراء البريطانيّة تيريزا ماي ووزير خارجيّتها بوريس جونسون بتقديم الاعتذار لروسيا في أعقاب الكشف عن نتائج التحليلات، فإنّ ما يدفع على الاعتقاد بأنّ موسكو ستذهب إلى ما هو أبعد من الاعتذار بكثيرٍ، يتمثَّل في أنّ وزير الخارجيّة سيرغي لافروف سارع بدوره إلى تجديد التأكيد على تمسُّك بلاده بالدعوة إلى إجراءِ تحقيقٍ موضوعيٍّ حول حادثة تسميم سكريبال وابنته في سالزبوري، واصِفًا هذه القضيّة بـ "الاستفزاز السياسيّ الذي يهدف إلى التصعيد المتعمَّد وتشويه سمعة روسيا"، ومعلِنًا بصريح العبارة أنّه وفقًا للمواقف والتأكيدات الصادرة خلال الجلسة الاستثنائيّة التي عقدَتها منظّمة حظر الأسلحة الكيميائيّة البارحة بناءً على طلبٍ روسيٍّ في مقرِّها في لاهاي، فإنّ أحدًا لن يستطيع تجاهُل أسئلةٍ مشروعةٍ طرحتها روسيا على أساس المعاهدة الموقَّعة بين الدول الأعضاء، وذلك بالنظر إلى أنّ "توجيه اتّهاماتٍ لا أساس لها، عوضًا عن تقديمِ حقائقَ واضحةٍ وإجراءِ تحقيقٍ شفّافٍ، غير مقبول"، على حدِّ تعبير الوزير لافروف.
هذا الموقف الذي جاء بُعيْد إعلان مندوب روسيا لدى المنظّمة ألكسندر شولغين عن أنّ بلاده استُبعدت مع عددٍ من الدول الأعضاء من المشاركة في التحقيق حول حادثة سالزبوري، سرعان ما حفَّز موسكو على رفع سقف التحدّي عن طريق نقل معركتها لدحض وتكذيب الاتّهامات والافتراءات الباطلة إلى داخل مجلس الأمن الدوليّ في نيويورك، الأمر الذي ما لبث أن تحقَّق بعدما دعا السفير الروسيّ لدى الأمم المتّحدة فاسيلي نيبينزيا إلى عقدِ جلسةٍ خاصّةٍ لمناقشة قضيّة تسميم سكريبال وابنته، ممهِّدًا الطريق إلى ذلك باقتراحٍ موضوعيٍّ وبنّاءٍ مؤدّاه أن يُصار إلى تشكيلِ لجنةِ تحقيقٍ يشارك فيها خبراءٌ ينتمون إلى الدول الخمس دائمة العضويّة في المجلس، بما يضمن سير التحقيق بشفافيّةٍ، وبعيدًا عن التسييس الممنهَج في سياق الحملات الدعائيّة المغرضة، ولا سيّما أنّ المسألة هنا تتعلَّق بمواطنيْن يحملان الجنسيّة الروسيّة كانا قد تعرّضا لمحاولةِ اغتيالٍ فوق الأراضي البريطانيّة، ما يعني في المحصِّلة النهائيّة أنّ استبعاد روسيا من المشاركة في الكشف عن كافّة ملابسات هذه المحاولة لا يمكن أن يمتّ إلى المنطق بأيِّ صلةٍ، وبأيِّ شكلٍ من الأشكال.
وإذا كان من المبكِّر الجزم في الوقت الراهن بما إذا كانت دول الارتصاف الأميركيّ – الأوروبيّ – الأطلسيّ ستتجاوب مع قواعد هذا المنطق وأصوله أم لا، فإنّ حصيلة المواقف الرسميّة الروسيّة، وفقًا لما تقدَّم ذكره أعلاه، لا يمكن أن تكتمل من دون الإشارة إلى البراغماتيّة البنّاءة التي تجلَّت في فحوى ما جاء على لسان نائب وزير الخارجيّة سيرغي ريابكوف عندما قال إنّ موسكو تنتظر تصعيدًا قريبًا لملفّ تسميم سكريبال وابنته، معتبِرًا أنّ الغاية من وراء إثارة المزاعم الغربيّة ضدَّ بلاده ليست موجَّهةً لتحديد ما حدث في سالزبوري فعلًا، بل تستهدف إيجاد ذريعةٍ لـ "شيطنة روسيا" بصورةٍ شاملةٍ وعزلها أيضُا.. وحسبي أنّ هذا الكلام إنْ دلّ إلى شيء، فهو يدلّ إلى أنّ الإدارة الروسيّة تدرك تمام الإدراك مسبَقًا أنّ الطريق إلى تسوية هذا الملفّ ستكون شاقّةً وطويلةً، تمامًا مثلما تدرك أيضًا أنّ ساحرة "عشرة – داونينغ ستريت" ستبذل قصارى الجهد للحيلولة دون انقلاب سحر "قضيّة سالزبوري" عليها، اللهمّ إلّا إذا صدقَت التوقُّعات الخجولة التي تتحدَّث في هذه الأيّام عن أنّ زعيم حزب العمّال البريطانيّ جيريمي كوربين أعدَّ العدّة لتلقُّف "فرصةٍ نادرةٍ" ذاتِ صلةٍ بهذه القضيّة في اللحظة المناسِبة.. فعندئذٍ، سيكون الطريق أسهل وأقصر بكلِّ تأكيدٍ.. وما على الرسول إلّا البلاغ.