في الذكرى الثالثة والأربعين لانفجار الحرب الأهلية في 13 نيسان 1975، ثمة ضرورة لإعادة السؤال عن حقيقة التمسك بالسلم الأهلي، وبناء المواطنة، ولملمة تداعيات الحرب بعد 28 سنة على انتهائها النظري، وقبل كل ذلك عن إمكانية انهيار ما تحقق في ظل تنكر المشاركين فيها أو بعضهم عن إجراء مراجعات نقدية لما اقترفوه بحق الوطن والإنسان.
فلبنان لعقدين ونيّف كان مسرحاً لحرب على أرضه، ودفع ثمناً باهظاً من دماء أبنائه واستقراره السياسي والأمني والاقتصادي، وبعدما كان أنموذجاً رائداً في التعايش والتعددية والنمو، فأصبح "شبه وطن" مثقلاً بالانقسامات السياسية، والاضطرابات الأمنية، والديون التي أرهقت اقتصاده، لكن الأخطر من كل ذلك هو "مشروعات الحروب" التي تتحين الفرص للانقضاض على كل ما أنجز منذ العام 1990 بعد اتفاق الطائف.
إرثُ الحرب ثقيل، وأثقل منه أرشيفها الضخم بمآسيه وأهواله وجرائمه البشعة، قتلاً وخطفاً وقهراً بعبثية وطيش واحتقار لكل المفاهيم الإنسانية والدينية والثقافية، إرثٌ ترك ندوباً كبيرة في الذاكرة اللبنانية، بشقيها الفردي والجماعي، وهو ما يحول دون تجديد حقيقي للعقد الاجتماعي، بشروطه المعتبرة، كمدخل للتسوية التاريخية بين اللبنانيين، تعزز ما توصلوا إليه في "الطائف"، على غرار ما آلت إليه تجارب أمم مرت بظروف مشابهة، فكل شيء يبقى كامناً إذا لم يتحقق شرطا: "التذكر" و"الاعتراف"؛ تذكر أبطال الحرب لـ "أدوارهم"، واعتراف الجلادين بما اقترفوه وطلبهم السماح من الضحايا كمدخل ضروري للنسيان والتجاوز، وكل ذلك.. كل ذلك قليل جداً إذا ما قورن بالتركة الباهظة التي خلفتها عشرون سنة من الاقتتال ( 200 ألف ضحية، و197 ألف جريح ومعاق، و19 ألف عملية خطف).
كيف نلغي خطوط التماس من وعي اللبنانيين، ونغرس مكانها حقائق نظيفة تبني الغد على أسس صلبة؛ حقيقة أن حماية النظام ليست من مسؤولية الطوائف أو ميليشياتها، بل مسؤولية المواطنين في صون الوطن من خلال مواطنة كاملة ومتساوية.
وحقيقة أن الاستسلام للخارج، أيّ خارج، هو ارتهان يستجلب ذلاً ودماراً وتفكيكاً للعقد السياسي والاجتماعي، من دون أن ينتج أية مكاسب.
وحقيقة أن التنوع قيمة مضافة، وأن الاختلاف سنة إنسانية مشروعة، وأن التماهي مع القضايا الخارجية لا ينبغي أن يتقدم على المسألة الوطنية في شيء.
وحقيقة أن اللجوء الى الحوار لحل المشاكل والخلافات ضمن التنوّع هو ما يميّز هذا الوطن كنموذج لتلاقي الاديان والحضارات.
وحقيقة أننا فشلنا في لملمة تداعيات الحرب بالرغم من مضي نحو 28 سنة على الانتهاء النظري لها، إذ بعض ملفاتها ما زالت حاضرة وبقوة، بآلامها ومآسيها وصورها، وربما ممارساتها، من يعطي جواباً شافياً لأهالي المفقودين الذين يحفر الوجع في قلوبهم منذ عقود؟ وكيف يعقل أن ملف التهجير والمهجرين لم يقفل حتى الآن؟
لملمة إرث الحرب ممارسة جمعية، لكنها قبل ذلك سلوك فردي. في مراجعات السياسيين، في تراجع الجلادين، في شهادات الضحايا، كما في الأعمال الأدبية والإبداعية. وإذا كانت الذاكرة تحفظ أحداث الماضي عِبرةً للمستقبل، فإن النسيان يقول لنا أي ذاكرة تستحق أن نحتفل بها أو نحتفي بطيّها، وأي ذاكرة علينا أن نتركها تذهب بسلام ليلفها النسيان ببلسمه، فللتاريخ وظيفة تربوية، وليس فقط ايضاح الحقائق. وفي بلد تعددي منقسم، مثل لبنان، يجب أن تكون هذه وظيفة التاريخ ودوره، لكن دون تشويه أو تعمية أو كتمان. هي مهمة صعبة، حتماً، لكن لا يمكن الركون إلى مقولة الخضوع للحقائق فقط.
في ذكرى 13 نيسان، نحتاج ذاكرة من نوع آخر، تحتفظ بخطوط التماس لتدلل على آثار الحرب البغيضة ولتذكر اللبنانيين كل يوم بأن لا حلول في هذا البلد إلا بالتوافق وأن لا أحد باستطاعته أن يلغي أحداً.