تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

عربي-دولي

سوريا ليست يوغسلافيا.. وبوتين ليس يلتسين بالتأكيد!

جمال دملج

|
Lebanon 24
15-04-2018 | 12:24
A-
A+
سوريا ليست يوغسلافيا.. وبوتين ليس يلتسين بالتأكيد!
سوريا ليست يوغسلافيا.. وبوتين ليس يلتسين بالتأكيد! photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-

على رغم أنّ المزاج العامّ في معظم عواصم الدول الإقليميّة والدوليّة كاد يتّجه طيلة ساعات نهار أمس السبت صوب الإجماع على استخدام مصطلح "الهشاشة" لدى توصيف المواقف السياسيّة والعسكريّة الروسيّة المعلَنة إزاء ما اتُّفق على تسميته بـ "العدوان الثلاثيّ" الناجم عن قيام الولايات المتّحدة الأميركيّة وبريطانيا وفرنسا باستعراض عضلاتها الصاروخيّة "الذكيّة" فوق الأراضي السوريّة، تنفيذًا لما كان الرئيس دونالد ترامب قد توعَّد به في تغريداته المتتالية السابقة، فإنّ هذا المزاج سرعان ما تعدَّل لاحِقًا عند حلول ساعات المساء الأولى، بما يتناسق بشكلٍ كاملٍ مع أبعاد الدور المسؤول الذي لعبته إدارة الرئيس فلاديمير بوتين في مجال العمل بهدوءٍ على "تحجيم" الاستعراض الصاروخيّ الغربيّ والحدّ من تداعياته، ولا سيّما بعدما كُشِف النقاب عن أنّ الخطّة الموضوعة لاستهداف سوريا كانت تقضي في الأصل بأنّ تُمهِّد غارات الفجْر لغاراتٍ لاحِقةٍ أخرى يتمّ خلالها استهداف المزيد من المواقع الهامّة في تركيبة البنية التحتيّة السوريّة، تمهيدًا للإطاحة بنظام الرئيس بشّار الأسد، على غرار ما حصل أثناء الحملة العسكريّة الأميركيّة – الأطلسيّة التي استهدفت الإطاحة بالرئيس الراحل سلوبودان ميلوسوفيتش في يوغسلافيا (السابقة) عام 1999.

وإذا كان الشعار الذي رفعه الأميركيّون والأطلسيّون لتبرير عدوانهم قد تركَّز وقتذاك على وجوب حماية أبناء القوميّة الألبانيّة ممّا أُشيع عن عمليّاتِ اضطهادٍ وقتلٍ وتنكيلٍ وفرزٍ عرقيٍّ يتعرَّضون لها على أيدي الجيش اليوغسلافيّ وقوّات الشرطة الصربيّة في إقليم كوسوفو، فإنّ قناع النزاهة التي خبَّأ المعتدون وراءه وجه أهدافهم الحقيقيّة، سرعان ما سقط بعد مرور أربعةِ أيّامٍ فقط على بدء العدوان، وخصوصًا بعدما أظهرت شاشات التلفزة، بما فيها "قناة الجزيرة الفضائيّة" التي أوفدتني لتغطية هذا الحدث منذ اليوم الأوّل ولغاية ما بعد اليوم الأخير، أنّ غالبيّة النازحين الكوسوفيّين الألبان ممّن قدِّر لهم أن يقطعوا الطريق يومذاك عبْر ممرِّ "بلاتسي – جنرال يانكوفيتش" الحدوديّ بين كوسوفو ومقدونيا كانوا يردِّدون عبارة "نيتو تيروريستا"، وذلك في إشارةٍ إلى أنّ السبب الأساسيّ الذي أجبرهم على النزوح عن ديارهم يعود إلى استهدافهم في اليوم السابق بـ قصفٍ وحشيٍّ" من قِبَل المقاتلات الأميركيّة والأطلسيّة، من دون أن يأتي أحدهم على ذكر أيِّ تنكيلٍ أو فرزٍ عرقيٍّ ولا من يحزنون.

ولكي تتّضح الصورة أكثر، فإنّ الحملة العسكريّة التي بدأت بتاريخ الرابع والعشرين من شهر آذار عام 1999، كانت قد تركَّزت خلال الأيّام الأربعة الأولى على قصف المقرّات الحكوميّة والمنشآت الصناعيّة والجسور وغيرها من أسس البنية التحتيّة اليوغسلافيّة في مدنٍ وبلداتٍ تقع ضمن المساحة الجغرافيّة التي تتشكَّل منها صربيا، مثل بلغراد ونوفيساد وفاليفو وبانشافو، أملًا في أن يؤدّي ذلك إلى إرغام الرئيس ميلوسوفيتش على القبول بخطّة "رامبوييه" للتسوية التي لعب دور العرّاب فيها ريتشارد هولبروك، مبعوث الرئيس بيل كلينتون، والتي كانت تهدف إلى تقسيم

الإقليم المنكوب بين الألبان والصرب، بما يضمن الأفضليّة والتمايز في المناطق الغنيّة بالثروات الطبيعيّة لـ "جيش تحرير كوسوفو" الذي كانت وكالة المخابرات الأميركيّة (سي آي إي) قد أشرفَت على تدريب وتسليح عناصره بشكلٍ واضحٍ وجليٍّ أمام الجميع.

ولكنّ ما حدث لاحقًا هو أنّه مع عدم ظهور أيِّ مؤشِّر يدلّ إلى أنّ الرياح تجري بما تشتهي سفن الحملة العسكريّة، وبالنظر إلى أنّ العدوان على يوغسلافيا كان بمثابة الحرب الأولى التي يُساهم دافعوا الضرائب في الولايات المتّحدة في تسديد فاتورتها، خلافًا لما كان عليه الحال أثناء حرب الخليج الثانية عندما قامت الدول الخليجيّة بتغطية نفقاتها في إطار "عاصفة الصحراء" قبل ذلك بقرابة الثماني سنواتٍ، فقد قامت المقاتلات الأميركيّة والأطلسيّة بإدراج إقليم كوسوفو في دائرة عمليّاتها الجوّيّة، من دون التمييز بين ما هو عسكريٌّ وما هو مدنيُّ، سعيًا إلى اختلاق مأساة النزوح الإنسانيّة الكبرى واستخدامها كمبرِّر لمواصلة العدوان أمام دافعي الضرائب الأميركيّين إلى أجلٍ غيرِ مسمّى، الأمر الذي يُفسِّر سبب ما تقدَّم ذكره عن أنّ غالبيّة النازحين الألبان من كوسوفو كانوا يردِّدون لدى وصولهم إلى مقدونيا عبارة: "نيتو تيروريستا".

وإذا كان تنفيذ السيناريو اليوغسلافيّ قد استغرق سبعةً وسبعينَ يومًا، وتخلَّلته عشرةُ آلافٍ وأربعُمئةٍ وأربعٍ وثمانينَ غارةً جوّيّةً، من دون أن يؤدّي ذلك إلى تحقيق الهدف المعلَن للخطّة الأميركيّة – الأطلسيّة في الإطاحة بنظام الرئيس ميلوسوفيتش، فإنّ هذا السيناريو نفسه كان موضوعًا البارحة قيد التنفيذ في سوريا، لولا تدخُّل اللاعب الروسيّ بهدوءٍ وحكمةٍ وبراعةٍ لإيقافه في اللحظة المناسِبة.. وحسبي أنّ أوجُه الشبه بين الحالتين اليوغسلافيّة والسوريّة عديدةٌ ومتنوِّعةٌ، وخصوصًا من جهة اعتماد الأميركيّين على معلوماتِ عملائهم وحدهم في "جيش تحرير كوسوفو" حول عمليّات الاضطهاد والقتل والتنكيل والفرز العرقيّ الملفَّقة التي قيل إنّ الألبان يتعرَّضون لها على أيدي الجيش اليوغسلافيّ وقوّات الشرطة الصربيّة، من أجل تبرير عدوانهم عام 1999، تمامًا مثلما اعتمدوا مؤخَّرًا على معلوماتِ عملائهم وحدهم أيضًا حول التورُّط المزعوم للقوّات النظاميّة السوريّة بشنّ الهجوم الكيميائيّ على دوما، من أجل تبرير عدوانهم بالأمس على سوريا، ولكن مع فارقٍ وحيدٍ هذه المرّة، ويتمثَّل في أنّ زمان الضُعف الذي اتّسمت به فترة حكم الرئيس الروسيّ الراحل بوريس يلتسين في مطلع عقد التسعينيّات من القرن الماضي ولّى إلى غيرِ رجعةٍ إثر وصول "الخليفة المختار" فلاديمير بوتين إلى سدّة الرئاسة في اليوم الأخير من العقد والقرن نفسيهما، وأنّ العالم يتّجه في هذه الأثناء، وأكثر من أيِّ وقتٍ مضى، صوب تعدُّد القطبيّة عن طريق دقّ المسمار الأخير في نعش القطب الواحد.. والخير دائمًا من وراء القصد.

Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك