تبدل الموقف الدولي من الأحداث السورية. تراجعت الولايات المتحدة وحلفاؤها عن مطلب إسقاط النظام، وأبلغت روسيا موافقتها على بقاء بشار الأسد رئيساً لسوريا خلال الفترة المقبلة، مقابل الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة، ولاسيما أن موسكو تمارس نوعاً من الحياد بشأن العلاقة بين طهران وإسرائيل.
بالنسبة إلى موسكو، تكمن أسس بناء الدولة السورية الجديدة، بحسب ما تؤكد مصادر متابعة لـ "لبنان24"، في عملية التسوية السياسية وإقرار دستور جديد. فاللقاء الذي جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالرئيس الاسد بحث في هذا الدستور.
فهل تقدم سوريا تنازلات في مناقشة الدستور الجديد؟
لقد اتفق القيصر الروسي ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال لقائهما في موسكو على ضرورة إطلاق وتشكيل لجنة دستورية في سوريا بإشراف الأمم المتحدة، بعدما كان الرئيس الأسد أبلغ نظيره الروسي خلال لقائهما في سوتشي قراره بإرسال ممثلين عنه إلى اللجنة الدستورية التي شكّلتها الأمم المتحدة لإعادة صياغة الدستور في سوريا.
ثمة تساؤلات عن دوافع الحكومة السورية تقديم التنازلات في الدستور الجديد على رغم التقدم الميداني الذي حققه الجيش والقوات الحليفة، وثمة استفسارات حول النقاط التي من الممكن أن يدور حولها نقاش.
تطرح المعارضة، بحسب المصادر السورية المتابعة، نظاماً يشبه النظام البرلماني، وهو نظام يصيغ السياسة العامة للدولة من انتخاب رئيس الى انتخاب رئيس مجلس وزراء إلى حجب الثقة. بمعنى أن يتحول النظام من رئاسي إلى برلماني. فقوى المعارضة تدعو إلى سحب الصلاحيات التشريعية من رئيس الجمهورية، وحصرها بمجلس النواب فقط. بيد أن وجهة نظر الحكومة السورية ترى أن ما تقدم من شأنه أن يضعف الدولة ويهدد استقرارها، فتجربة الأنظمة البرلمانية ليست مشجعة. النظام البرلماني في لبنان لا يخلو من الفجوات والاختلالات السياسي،. وبالتالي فإن سوريا لن تقبل بعد سبع سنوات من الصمود بنظام برلماني يهدد ركائز القوة في الدولة.
وبمعزل عن موقف الحكومة السورية، يجري الحديث عن متغيرات سيشملها التعديل الدستوري. المفاوضات في المرحلة المقبلة ستشهد مداً وجزراً، ولا سيما أن مسؤولين أميركيين سينضمون إلى محادثات في جنيف هذا الشهر، بشأن تشكيل اللجنة. وفي هذا الإطار، من المرجح أن يجتمع المبعوث الاممي ستيفان دي ميستورا بمسؤولين روس وأتراك وإيرانيين مطلع الأسبوع المقبل، على أن يلتقي يوم الـ 25 من الشهر الجاري مسؤولين أميركيين وسعوديين وبريطانيين وفرنسيين وألماناً وأردنيين.
وفي انتظار أن تجتمع في الامم المتحدة اللجنة الدستورية السورية التي ستضم وفدين يمثلان النظام والمعارضة التي شاركت في مؤتمر سوتشي لمناقشة التعديل الدستوري على أساس عملية جنيف بهدف التوصل إلى صيغة تسوية سياسية تضمن حصة المعارضة داخل السلطة، تشير المصادر إلى أن هذه الصيغة تعمل عليها روسيا بالتعاون مع الولايات المتحدة وتركيا وايران، وفقا لقرارات مؤتمر الحوار الوطني السوري الصادرة في 30 كانون الثاني الماضي. فالدول الإقليمية المعنية بالأزمة السورية تؤيد هذا التعديل، بما فيها الجمهورية الاسلامية التي تربط التعديل الدستوري بضمانات تتعلق ببقاء الاسد في الحكم، علماً أن هذا المطلب لم يعد محور خلاف مع الدول الخليجية والغربية. فهذه الدولة لم تعد تمانع بقاء الاسد مقابل الاستقرار في الجنوب السوري على وجه التحديد.
بالنسبة إلى القيصر الروسي، قد تكون اللجنة الدستورية خطوة أولى في العملية السياسية طالما أن الاتصالات التي ترعاها موسكو في شأن الجنوب السوري افضت إلى نتائج تصفها إسرائيل وواشنطن بالإيجابية وتصب في مصلحتهما.
لكن بالنسبة إلى السوريين ثمة قلق من أن يكون الدستور الجديد لسوريا صورة مصغرة عن الدستور اللبناني الذي لم يفلح في ضمان النظام السياسي والاستقرار الاقتصادي، فطروحات المعارضة تتضمن تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية التشريعية ومنح البرلمان صلاحية تنحيته.