كشف النقاب مؤخراً عن حقيقة وفاة الملا عمر، الزعيم الذي لم يكن ينازع لحركة "طالبان" الأفغانية، في مشفى آغا خان في كراتشي قبل أكثر من عامين، في أوائل 2013.
وكانت شائعات دارت حول موته ضمن دوائر المراقبين لأفغانستان، وداخل أوساط الحكومة الأميركية، ولكن شائعة تلو أخرى، بدت بأنها غير حقيقية، وقد تأكد أنها لم تكن كاذبة. ولفتت صحيفة "ناشونال إنتريست" الأميركية، إلى ترافق النفي مع بيانات جديدة، زعمت أنها صادرة عن "شورى كويتا من مركز قيادة طالبان في باكستان". ولكن بيانات الملا عمر لم تكن شفهية، بل كانت مكتوبة، وزعم عدد من المتحدثين باسم الملا عمر أنها صادرة باسمه، وهو الذي لم يلتق قط بصحفيين، ولم يظهر على الهواء مباشرة على إذاعة أو تلفزيون، ولا تتوفر عنه سوى قلة من الصور القديمة.
حادث غريب
وبرأي الصحيفة، أول ما يلفت النظر لهذه الحادثة الغريبة يرجع لكيفية تمكن رجل انعزالي، وغير متعلم نسبياً، من كسب تلك المكانة الدينية والتقدير الرفيع بين أقرانه من زعماء طالبان. والأمر الثاني، كيف أمكن لانعزالي امتنع عن استخدام آليات التواصل الحديثة (هواتف من جميع أنواعها، وتسجيلات سواء إذاعية أو تلفزيونية)، من مواصلة إحكام قبضته على حركة متمردة نزاعة للعنف لقرابة 15 عاماً، وهي مرشحة اليوم في غيابه للوقوع في خلافات داخلية شديدة؟
وبحسب "ناشونال إنتريست"، هناك استفسار ثالث، وهو كيف أمكن لـ"طالبان" إخفاء خبر مقتله طوال عامين وسبعة أشهر؟، وتأتي الإجابة على السؤال الثالث من الحقيقة الساطعة للإجابة على السؤال الثاني، وهي أن الرجل لم يتواصل قط بشكل مباشر مع أتباعه، بل نقلت أوامره من شخص لآخر أقل رتبة. ولكن بالنظر لوجود عدة فصائل متنافسة وخلافات سياسية داخل طالبان، لماذا لم ترفض أي من تلك الفصائل تطبيق تلك الأوامر؟
وترى الصحيفة بأن جميع تلك الاستفسارات ستكون محل بحث وتحليل ولكن، ربما أكثرها مدعاة للحيرة، يدور حول العلاقة بين حكومة باكستان وحكومة الولايات المتحدة الأميركية. فإن المناخ السام بين الجانبين مرشح لتلقي جرعة أخرى من السم. إذ صدرت اتهامات من قبل إدارة أوباما بشأن أسامة بن لادن، وهو أن باكستان، إن لم تكن حليفاً رسمياً، فقد تلقت من الولايات المتحدة ما قيمته ملايين الدولارات على شكل مساعدات عسكرية وغير عسكرية، وعرف أوباما أن أسامة بن لادن كان يعيش في آبوت أباد، في باكستان، على بعد بضعة مئات الأمتار عن الأكاديمية العسكرية الباكستانية(ساندهيرست باكستان). كما أدركت الإدارة أن زعيم القاعدة المقتول لم يكن ليقيم هناك دون علم، وربما برضا الحكومة الباكستانية، أو على الأقل إدارة الاستخبارات العسكرية والداخلية( آي إس آي). وبكلمات أخرى، يمكن القول أن باكستان آوت أحد أكثر الأشخاص المطلوبين من قبل الولايات المتحدة، وهو الرجل الذي خصصت مكافأة قدرها 10 مليون دولار لمن يدل عليه.
وتقول "ناشونال إنتريست" إنه "ظهر الآن أيضاً بأن الملا عمر مات في مستشفى رئيسي في باكستان قبل أكثر من عامين. ومما يثير مزيداً من الحيرة أن الإعلان عن الوفاة، جاء بعد عامين، ليس من قبل الحكومة الباكستانية، بل على لسان الحكومة الأفغانية. ومن الواضح أن رئيس الاستخبارات الأمريكية(سي آي أي) في ذلك الوقت، ليون بانيتا، عندما استفسر الرئيس الباكستاني السابق، عاصف علي زرداري، عن ذلك الخبر، فإن زرداري نفي علمه به. ولكن حتى مع عدم احتمال معرفة زرداري بالأمر، فإن آي إس أي كانت بالتأكيد على علم به، لأن آي إس إي كانت على تواصل دائم مع طالبان (في هيكليتها السابقة) منذ الغزو السوفييتي لأفغانستان في ثمانينات القرن الماضي. وفي حقيقة الأمر، عندما كانت الولايات المتحدة تدعم، بشكل شبه سري، التمرد المعادي للسوفييت في أفغانستان، كانت إدارة أي إس أي هي راعية المتمردين الأولى. ورغم ذلك، جاء الإعلان اليوم، وبعد أكثر من عامين، ليس من قبل الحكومة الباكستانية، بل على لسان الحكومة الأفغانية".
وترى الصحيفة أن "هناك الآن احتمالان، فإما أن آي إس آي والباكستانيين كانوا يتبادلون المعلومات مع الولايات المتحدة، إذ اختارت الاحتفاظ بالخبر، أو أن الولايات المتحدة خُدعت مرة ثانية من قبل حليف سابق".
ويبدو الاحتمال الأول، برأي الصحيفة، ليس مستحيلاً، لكن غير محتمل. فمن الممكن أن الولايات المتحدة رأت أنه من مصلحتها التظاهر بأن طالبان حركة متماسكة وأنها تقاد بشكل جيد، وأن مفاوضات السلام يمكن إجراؤها مع الخصم، مما قد يثمر اتفاقاً نهائياً.
ومما يدعو للاستغراب، أن الحكومة الأفغانية السابقة، وخاصة الرئيس السابق حامد قرضاي، اتهموا الولايات المتحدة على الدوام بتعطيل المفاوضات من أجل إبقاء الحرب مشتعلة، ولبقاء قوات التحالف في أفغانستان، والتشكي في نفس الوقت من سعي الرئيس الأمريكي أوباما، لخفض عديد قواته هناك.
ولكن الرئيس قرضاي كان يتمسك بأوهام واهية. وقد حاولت الولايات المتحدة، وعلى الأقل في ظل إدارة أوباما، مغادرة أفغانستان، وتخفيض التزاماتها هناك.
ومن المؤكد، أن الولايات المتحدة، لم تكن ترضى أحياناً، عن التفاوض مع طالبان. وحتى المسؤولين الأفغان العسكريين والمدنيين رفضوا التفاوض مع الحركة إلا من موقف قوي ودون أية شروط مسبقة. ولكن حتى في مثل تلك الظروف، لم يكن بوسع مسؤولين أميركيين التدخل لدعم تماسك الحركة داخلياً.
(ناشونال إنتريست – 24)