في مؤشر على بدء مرحلة التطبيع العملي بين ايران والمجتمع الدولي، وهي واحدة من ثمار الاتفاق النووي الذي توصلت اليه الجمهورية الاسلامية ومجموعة 5+1 في فيينا في تموز الماضي، شهدت العلاقات الايرانية ـ البريطانية، يوم امس، تطوراً مهماً، تمثل في استئناف العلاقات الديبلوماسية بين البلدين، مع إعادة فتح السفارتين في طهران ولندن.
وبعد نحو أربعة أعوام على قيام محتجين ايرانيين باقتحام سفارة بريطانيا في طهران، رفع وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند، خلال زيارة للعاصمة الايرانية، علم بلاده في حديقة المجمع الديبلوماسي الذي يعود تاريخ إنشائه الى القرن التاسع عشر.
وقال هاموند ان هذه المراسم "تمثل نهاية مرحلة في العلاقة بين بلدينا وبدء مرحلة جديدة، أعتقد أنها تبشر بالأفضل".
وأضاف انه "بعد فترة تدنت فيها العلاقات الديبلوماسية بين البلدين الى مستوى منخفض تحسنت هذه العلاقات تدريجيا" منذ انتخاب الرئيس الإيراني حسن روحاني في العام 2013.
وأشار هاموند إلى انّ الاتفاق النووي الذي أبرمته الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع القوى العالمية الست الشهر الماضي كان أيضا معلما بارزا.
وأغلقت السفارة البريطانية لدواع أمنية منذ أن داهم محتجون إيرانيون مقرين ديبلوماسيين رئيسيين في طهران في 29 تشرين الثاني عام 2011، ومزقوا صور ملوك بريطانيين، وأحرقوا سيارة واستولوا على معدات الكترونية.
وبعد ساعات من افتتاح السفارة البريطانية في طهران، أعادت ايران افتتاح مبنى سفارتها في لندن.
وقال هاموند إن قائما بالأعمال من البلدين سيتولى ادارة شؤون كل من السفارتين في بادئ الأمر قبل الاتفاق على إرسال سفراء في غضون بضعة أشهر.
وخلال مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف، قال هاموند "لقد قطعنا شوطا طويلا، ولكن لنحاول ان نأخذ الامور خطوة خطوة"، مشيرا مرة اخرى الى ان الأولوية هي لتطبيق الاتفاق النووي وبناء الثقة. وأضاف "ستكون هذه عملية تطور للتغلب على عدم وجود الثقة".
ورحب ظريف بزيارة هاموند، قائلاً ان ايران مصممة على الحوار من أجل حل الخلافات ومعالجة الاضطرابات في الشرق الاوسط في اطار "إعادة إطلاق" العلاقات مع بريطانيا.
وأضاف "هذه المنطقة تواجه مشاكل خطيرة" في اشارة الى تنظيم "الدولة الاسلامية"، مؤكداً ان ذلك "يتطلب مقاربة مختلفة"، ومشدداً على ان "ايران مستعدة للتحاور مع جميع جاراتها... وعلينا أن نبدأ التعاون لتحقيق المكاسب المشتركة".
ومعروف ان بين ايران وبريطانيا تاريخاً سياسياً حافلاً شهد العديد من المحطات الخلافية أيام الشاهنشاهية وبعد الثورة الاسلامية.
وتلازم عبارة "الثعلب المكار" أحاديث الساسة والشارع الايراني كلما أتوا على ذكر المملكة المتحدة.
ولا بد من الإشارة الى ان إغلاق السفارة البريطانية في العام 2011 لم يكن الاول، وأن الاتهام بدعم المعارضين اثناء احداث العام 2009، التي أعقبت الانتخابات الرئاسية في ايران، ليس بجديد، فبريطانيا تدخلت في الشأن الداخلي الايراني للمرة الاولى في آب العام 1906، عندما تحصن فيها آلاف المطالبين بإصلاحات دستورية، ممن دعمت لندن مطالبهم بوجه مظفر الدين شاه، الذي اضطر بعد اعتصام شعبي الى الموافقة على تأسيس مجلس الشورى الوطني في تحرك أطلق عليه الثورة الدستورية.
أما أول إغلاق للسفارة البريطانية في طهران فكان في زمن الشاه محمد رضا بهلوي. وآنذاك اتهم رئيس الوزراء الايراني محمد مصدق بريطانيا بالمشاركة في مؤامرة لإطاحته، فأمر بإغلاق السفارة وطرد الديبلوماسيين من ايران اواخر العام 1952 لتستمر المؤامرة عليه الى ان تم الانقلاب برعاية أميركية في 19 آب اغسطس عام 1953، ليعود الشاه محمد رضا بهلوي الى ايران، ويوضع مصدق بالاقامة الجبرية، قبل نفيه الى قرية احمد اباد.
في عهد الشاه ظلت اليد البريطانية تتحكم بالمفاصل الاساسية في البلاد الى ان قامت الثورة الاسلامية في العام 1979، وبدأت الحرب الايرانية - العراقية.
وخلال هذه الفترة، تأزمت العلاقات بين بريطانيا وايران، فكانت السويد ترعى المصالح البريطانية في طهران، وقد تم سحب كل الديبلوماسيين الى لندن.
وفي اواخر العام 1988، اتفق الجانبان على إعادة العلاقات الديبلوماسية، إلا ان الفتوى التي أطلقها قائد الثورة الاسلامية الإمام الخميني في الرابع عشر من شباط بإهدار دم الكاتب سلمان رشدي، صاحب كتاب "آيات شيطانية"، والذي يحمل الجنسية البريطانية، دفع بلندن الى استدعاء ديبلوماسييها من طهران، ما أدى الى توقف العمل في السفارة من دون إقفالها، فردت الجمهورية الاسلامية بتغيير اسم الشارع الملاصق للسفارة في العاصمة طهران من "ونستون تشرتشل" الى "بابي ساندر" وهو أحد رموز الجيش الجمهوري الايرلندي.
وبقيت الامور على حالها الى ان أتى عزو العراق للكويت، فقررت بريطانيا استئناف العلاقات الديبلوماسية مع طهران حتى العام 1992، حين اتهمت محكمة ألمانية عناصر ايرانية باغتيال معارضين اكراد، في ما يعرف يومها بـ "قضية ميكونوس" فاستدعت بريطانيا ودول أوروبية اخرى سفراءها من طهران.
وفي العام 1997، انتخب محمد خاتمي رئيسا للبلاد، خلفا للشيخ هاشمي رفسنجاني، وبدأت معه مرحلة جديدة من العلاقات، حيث شكل لقاء وزيري خارجية البلدين في العام 1999، على هامش اعمال الجمعية العامة للامم المتحدة بداية جديدة للعلاقات بين طهران ولندن، الى ان بدأت هذه العلاقات بالتأزم في العام 2003، بعد دخول الملف النووي دائرة الضوء وبخاصة بعد وصول الرئيس الايراني السابق محمود أحمدي نجاد.
وشكل الانخراط في مباحثات مع السداسية الدولية التي تضم بريطانيا حالة من المشادة الكلامية الدائمة بين النظام الايراني والقوى الكبرى، فكانت لندن تتهم بعرقلة الحلول الديبلوماسية وفرض عقوبات ظالمة على ايران، الى ان أتت أحداث العام 2009 التي أعقبت الانتخابات وما تلاها من اتهامات واعتقال لعاملين محليين في السفارة البريطانية بتهمة دعم المعارضين وتقديم المساعدة لهم والتجسس على ايران.
في العام 2011 فرضت بريطانيا عقوبات مالية على المصرف المركزي الايراني، واتهمت بعرقلة المباحثات فأقر مجلس الشورى الاسلامي قانونا ملزما للحكومة بخفض التمثيل الديبلوماسي مع بريطانيا، إلا ان الشارع لم ينتظر، فنظمت تظاهرة حاشدة أمام السفارة في شارع الصيرفة في طهران حيث يقع مقر الممثلية البريطانية، وتم اقتحامها، فقامت لندن بالرد بطرد ديبلوماسيين إيرانيين، وبادرتها ايران بالمثل، لتقفل السفارة في كلا البلدين.
وقبل عامين، وصل الشيخ روحاني الى سدة الحكم، التقى وزراء الخارجية حول طاولة المحادثات النووية.
وبرغم استئناف العلاقات الديبلوماسية يوم امس، إلا ان طهران ما زالت تنظر بكثير من الحذر الى التعاطي البريطاني، ومن المؤكد انها لن تنسى تاريخا طويلا يحتاج الى الكثير من الوقت لإعادة بناء ثقة مفقودة.
واذا كان المقاربة الايرانية إزاء العلاقات مع بريطانيا تتسم بالحذر، إلا ان الامر يبدو أكثر تعقيداً في ما يخص استئناف العلاقات مع الولايات المتحدة.
ورداً على سؤال حول ما اذا كانت ايران ستدرس إعادة البعثة الديبلوماسية الأميركية، قال ظريف، خلال المؤتمر الصحافي المشترك مع هاموند، ان سلوك الولايات المتحدة "غير المنطقي" إزاء إيران يعني أن الوقت غير مناسب لخطوة مماثلة مع واشنطن.
وأضاف "يبدو أن هناك حاجة لتغيير في ذلك النوع من التصرف والسلوك من جانب الولايات المتحدة. لذا فإن الموقف مختلف مع الولايات المتحدة".
وهاجم طلاب إيرانيون السفارة الأميركية إبان الثورة الإيرانية في العام 1979 بسبب خشيتهم من تكرار انقلاب وقع في العام 1953، حين نظمت وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية مخططا لإطاحة رئيس الوزراء الإيراني آنذاك محمد مصدق. ونتج من هجوم الطلاب على السفارة الاميركية أزمة رهائن أميركيين دامت 444 يوما.
(جعفر سليمان - السفير)