لا تزال زيارة الرئيس السوداني عمر البشير إلى دمشق تحمل الكثير من علامات الإستفهام حول السبب من الزيارة وتوقيتها من جهة، وحول الظروف التي أدّت بالبشير إلى تغيير مساراته السياسية التي كانت أقرب الى المحور السعودي - الأميركي. ويكمن عمق التفسير بمعرفة تفصيلية بالواقع السوداني المحلي ودون ذلك يبقى تفاصيل، "فمن ينظر الى الملف من نافذة العلاقات الدولية فحسب فسيخطئ القراءة كثيراً"، وفق ما أكدت مصادر سياسية عربية دبلوماسية مقيمة في الخرطوم.
وأوضحت المصادر لـ"عربي21"، أنّ "السودان يعاني منذ قرار رفع العقوبات الأميركية عليه جزئياً مع بداية ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من عدم تغيّر الأمور كما كان متوقعاً، إذ لم يترجم القرار السياسي إلى قرارات تنفيذية نظراً للإشتباك مع قرارات أميركية أخرى، ولعدم رغبة الأميركيين في تسريع التطور في العلاقة حتى إنجاز قائمة المطلوبات في ملف دارفور والمناطق الثلاث، وملف جنوب السودان وملف الحريات وملف التوجهات العامة".
قرارات تتقاطع مع كثير من الملفات الإقتصادية والأزمات المالية الصعبة التي تعصف بالسودان، وبحسب المصادر، فإنّ ذلك كلّه جاء "بعد تغيير كبير في السياسة السودانية التي كانت تنتظر تحولاً في المواقف الأميركية والعربية تجاهها تساعدها على تجاوز أزمتها الإقتصادية".
وعلى الرغم من انّ السودان قام بتغييرات إستراتيجية في سبيل تحسين ملفه أمام الإدارة الأميركية، حيث أنهى علاقته مع إيران وطرد البعثة الديبلوماسية الإيرانية وكلّ المؤسسات الإيرانية، كما شارك بقوّة في التحالف السعودي الإماراتي ضدّ الحوثيين في اليمن، وقطع علاقته نهائياً مع كوريا الشمالية، وغيرها الكثير، لكن ذلك "لم يؤدِ الى تحسن اقتصادي أو اهتمام فقد استمرت العلاقات فاترة مع السعودية". وسرّع في ذلك أزمة مقتل الصحافي جمال خاشجقي، ما جعل "الطريق واضحة أمام السودان أنّه لا أمل في مسار العلاقات السعودية ـ الأميركية التي لم تستطع أن تقدم شيئاً ملموساً للسودان، وأنّه قد حان الوقت لمسار جديد" بحسب المصادر.
وبخصوص زيارة دمشق تقول المصادر: "كانت روسيا حريصة على علاقة قوية مع السودان لكن الإعتراض المصري كان يقف حائلاً دون ذلك، وقد جرى رفعه وكان هناك تخوف من استدارات السودان مع حلفائها السابقين تبعا للظروف الإقتصادية والضغوط الأمريكية والسعودية والمصرية، وكان مطلوباً من السودان أن يمارس دوراً مختلفاً عن السياسة العربية الجامدة وأن يشارك في المسار السياسي لحسم الأزمة السورية وإنهائها، وهو ما تدعو إليه روسيا".
وتابعت: "كانت القناعة أنّ البداية لابد أن تكون بالتفاهم مع الرئيس السوري بشار الأسد، الطرف الذي بات أقوى الآن في المعادلة السورية؛ وهو ما وافق السلوك السياسي السوداني الذي تعامل بحياد سلبي في الأزمة السورية، حيث شارك في معظم القرارات العربية ضد النظام في سوريا لكنّه لم يقطع العلاقات الدبلوماسية، بل فتح أبوابه لكل السوريين بكل توجهاتهم، ولم يسمح للمعارضة السورية أو النظام أن يتخذ من السودان محطة تحريض أو عداء بين السوريين بل نقطة تواصل واجتماع، وهي الدولة الوحيدة التي تمنح السوريين حق الدخول بدون تأشيرة مسبقة، كما منحت الجنسية السودانية لآلاف السوريين المقيمين فيها".