تطمح رئيسة حزب "الجبهة الوطنية" مارين لوبان المناورة البارعة والخطيبة الحاذقة التي تتزعم اليمين المتطرف الفرنسي منذ نحو خمس سنوات، لتحقيق نجاح تاريخيّ في
الإنتخابات المحلية التي تجري الأحد على أمل إن تتيح لها خوض الإنتخابات الرئاسية عام 2017 من موقع قوّة.
فبعد إعتداءات باريس الدامية نددت لوبن بمخاطر "الأسلمة" في فرنسا. وشددّت الاربعاء في خطابها الأخير في سياق الحملة الانتخابية على أنّه "في مواجهة الجهاديين لا خيار امامنا سوى أن ننتصر في هذه الحرب. وإن فشلنا فإن التوتاليتارية الإسلامية ستستولي على السلطة في بلادنا... وستحّل الشريعة محل دستورنا".
ورأت مارين لوبن أن "الإنتخابات المحليّة التي يُتوقع أن يحقّق حزب الجبهة الوطنية فيها نجاحاً تاريخياً بفوزه بمنطقتين من أصل 13، إحداهما في الشمال حيث هي مرشحة، هي فرصة لتوجيه "إشارة قوية" من أجل المستقبل". فهدف مارين لوبن الحقيقي يبقى الانتخابات الرئاسية عام 2017 وهي التي قالت قبل بضعة اشهر "إذا لم أتأهل للدورة الثانية، فسوف أعتزل السياسة".
تجدر الإشارة إلى أنه لم يكن من المفترض أساساً بمارين لوبن، الاصغر بين البنات الثلاث لجان ماري لوبن، أحد مؤسسي حزب الجبهة الوطنية عام 1972، خوض المعترك السياسي. إذ كان من المقرر عوضاً عن ذلك أن تخلف شقيقتها ماري كارولين والدهما الذي هيمن على الحزب على مدى حوالى أربعين عاماً.
غير أن الحياة السياسية الصاخبة والمتقلبة للجبهة الوطنية والخلافات العائلية في التسعينات فتحت الطريق أمام هذه المحامية التي سعت منذ العام 1993 حين كانت في الرابعة والعشرين من العمر، إلى الفوز بمقعد نيابي عن باريس.
واطلت مارين لوبن المعروفة بشدتها في المعارك السياسية إلى حد الضراوة، على الرأي العام العريض في الخامس من ايار 2002 في ليلة الدورة الثانية من الإنتخابات الرئاسية، لتدافع عن والدها الذي خاض الإنتخابات بعدما تأهل في الدورة الاولى، غير أنه هزم بفارق كبير امام جاك شيراك.
وأعلنت حينها أنّ "فرنسا تحولت الى معسكر لاعادة التأهيل النفسي"، في اشارة ساخرة الى التظاهرات الضخمة التي نزلت الى شوارع فرنسا رفضاً للجبهة الوطنية".
وتصاعدت مكانتها تدريجياً تحت جناح والدها إلى أن فرضت نفسها في كانون الثاني 2011 على رأس الجبهة الوطنية، مستبعدة الحرس القديم. وتحدثّت الصحافة الفرنسية عن عملية تخوضها "لتحسين صورة" الجبهة الوطنية، بينما ردّت هي بأنها تريد "إعطاء صورة مختلفة عن الكاريكاتور" الذي يُصوّر به حزبها.
وعملت من أجل ذلك على التخلص ولو جزئياً من الناشطين المعادين للسامية التواقين إلى الجزائر الفرنسية وربما بالنسبة للبعض الى نظام فيشي المتعاون مع المانيا النازية، والكاثوليك المتزمتين الذين تسلموا لأكثر من ثلاثين عاماً مراكز المسؤولية في الحزب، وريث تقليد يميني متطرف ولد في القرن التاسع عشر.
وحتمّت عملية إعادة تنظيم الحزب هذه إبعاد والدها الذي كان يثير فضيحة تلو الأخرى بتصريحاته المعادية للسامية وهجماته على المهاجرين. ففي مطلع أيار 2015 وعلى إثر تصريحات جديدة معادية للسامية صدرت عن جان ماري لوبن، وقعت القطيعة نهائياً بين الاب وإبنته التي عمدت الى إقصائه من الحزب خلال الصيف. والعلاقات مقطوعة بين الإثنين منذ ذلك الحين. وقد كتبت مارين لوبن في سيرتها الذاتية "عكس التيار" الصادرة عام 2006 أنّ "السياسة تتطلب عدداً من التضحيات والحياة العائلية احداها".
الانتخابات الرئاسية هي الهدف
وسعت مارين لوبن (47 عاماً) المطلقة مرتين والام لثلاثة أولاد وهي تعيش حالياً مع أحد مسؤولي الحزب لوي آليو، إلى اضفاء مصداقية على خطابها الاقتصادي بعدما كان موضوع الاقتصاد يعتبر نقطة ضعف الحزب في عهد والدها. فهي تتعمّد الأخذ بمخاوف الفرنسيين الذين تصفهم ب"المنسيين" المهملين من السياسة والذين يعانون من نسبة بطالة تتخطى 10% ومن تراجع قدرتهم الشرائية. وفي مواجهة هذه المشكلات الاقتصادية، تدعو مارين لوبن إلى سياسة حمائية والخروج من اليورو سعياً منها لإجتذاب "الخاسرين" جراء العولمة.
وهذه الصورة المتجددّة للحزب التي يُجسدها ذراعها الأيمن فلوريا فيليبي تأتي بنتيجة جيدّة، إذ حقق الحزب سلسلة من النجاحات مسجلاً أفضل نتائجه في الانتخابات الرئاسية عام 2012 ثمّ في الإنتخابات البلدية والأوروبية ثم في انتخابات المقاطعات في 2014 و2015.
غير أن سياسة التغيير هذه لا تعني اطلاقاً المساس بالأسس الجمهورية الثلاث التي يبني عليها الحزب عقيدته: وهي التنديد بالهجرة والضرائب وانعدام الامن. وعلى غرار والدها، تتمسّك مارين لوبن بالأفضلية الوطنية التي أعادت صياغتها تحت مسمى "الأولوية الوطنية"، داعية إلى إلغاء المساعدات الإجتماعية للأجانب. كما أنها تؤيد "على صعيد شخصي" إعادة فرض عقوبة الإعدام وتعارض زواج مثليي الجنس ولكن من غير أن تشارك في تظاهرات معارضي حقوق المثليين.
(أ.ف.ب)