تمكنت
روسيا من إجبار أوكرانيا على تقديم تنازلات رفضتها في وقت سابق، إذ باتت حياديتها موضوع مفاوضات لإيقاف الحرب، فيما يقول محللون إن حياد أوكرانيا سيغيّر توازن القوى في أوروبا إلى الأبد.
وبعد مرور 5 أسابيع على بداية الغزو الروسي لأوكرانيا دون أن تظهر في الأفق أي بوادر للحسم العسكري لأي من الجانبين، يمكن القول إن أوكرانيا تدفع ثمن تحديها لموسكو بتشجيع من الغرب منذ الثورة البرتقالية عام 2008.
وسعت كييف للانضمام إلى
الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهي الطموحات التي تعارضها روسيا تماما وتعتبرها تهديدا مباشرا لأمنها القومي.
ويقول المحلل الأميركي رامون ماركس إنه على مدى أكثر من عشر سنوات رفضت أوكرانيا التفاوض حول إعلان حيادها بين روسيا والغرب أو إقامة علاقات وثيقة مع موسكو.
وعلى الرغم من التهديدات الروسية المتكررة و"الخطوط الحمراء" وقفت كييف في وجه فلاديمير بوتين. وهذه المقاومة الأوكرانية أدت في النهاية إلى خسارة شبه
جزيرة القرم التي ضمتها روسيا، ونشوب حرب أهلية أشعلتها موسكو في إقليم دونباس الأوكراني قبل إعلان انفصاله بعد ذلك.
وفي نهاية المطاف تعرضت أوكرانيا لغزو صريح من روسيا. كما شجعت الديمقراطيات الغربية أوكرانيا على اتباع هذا النهج الدونكيشوتي، في حين أعلنت أنه ليس أمام أوكرانيا أي فرصة للانضمام إلى الناتو في المدى القريب.
ومع ذلك يمكن القول إن أوكرانيا حققت الآن المستحيل بفضل الدعم العسكري من الناتو وأبطأت الغزو الروسي لأراضيها وجعلته يمضي في طريق مسدود.
ويرى ماركس أن الشروط التي قد تنهي بها روسيا وأوكرانيا الحرب بينهما ستخضع في نهاية المطاف لخيارات الشركاء المتحاربين أكثر من أي طرف آخر. فبعد بدء الغزو الروسي تراجعت أوكرانيا عن موقفها الرافض لإعلان حيادها.
ورغم أن الدستور الأوكراني ينص على السعي للانضمام إلى حلف الناتو، أشار الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى استعداد بلاده للتراجع عن هذا الخيار بعد ثلاثة أيام من بدء الحرب.
وستكون المفاوضات بشأن حياد أوكرانيا صعبة للغاية، ومن المحتمل أن يدعو زيلينسكي ونظيره بوتين إلى تعهدات سياسية من جانب
واشنطن والناتو لضمان الوضع المحايد لأوكرانيا، وربما يكون على غرار اتفاقية الدولة النمساوية لعام 1955.
وكانت
الولايات المتحدة طرفا مصدقا على معاهدة حياد النمسا إلى جانب فرنسا وبريطانيا. وفي ظل انسحاب الولايات المتحدة في عهد الرئيس السابق
دونالد ترامب من الاتفاق النووي
الإيراني، فإن روسيا قد تصر على توقيع واشنطن وحلف الناتو على معاهدة حياد أوكرانيا، وليس الاكتفاء بمجرد
التزام قانوني من الطرفين وباحترام مثل هذه المعاهدة التنفيذية.
وستواجه الإدارة الأميركية صعوبة كبيرة في تمرير مثل هذه الاتفاقية في مجلس الشيوخ، لذلك فقد تحاول
وزارة الخارجية الأميركية إيجاد بديل يمكن لمجلس الشيوخ قبوله وفي نفس الوقت يستجيب لمطالب روسيا وأوكرانيا.
وستخلق أي صيغة لحياد أوكرانيا صعوبات دبلوماسية بالنسبة إلى واشنطن. ولا شك أن بوتين سيحاول الحصول على نهاية للعقوبات الغربية كشرط إضافي لإنهاء الأعمال العدائية.