يغيب عنا اليوم المجاهد الجزائري الكبير حسين آيت احمد، أحد أوائل مفجري ثورة المليون ونصف شهيد، بوجه الإستعمار الفرنسي الغاشم لهذا البلد العربي العظيم، والذي دام ما يقارب مئة وثلاثين سنة من الزمن. هذا الجزائري الذي ينتمي الى منطقة القبائل، تلك الضاربة جذورها في اعماق الجزائر، أصالة ونخوة وانتماء، ومجاهدة في سبيل الله وفي سبيل تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي.
لقد لعب المستعمر على كل أشكال التباين في هذه الأمة بهدف تفتيتها وإضعافها والغاء دورها الحضاري بهدف اطالة أمد احتلاله وسيطرته. ولقد أدرك المجاهد الكبير حسن آيت أحمد هذه الحقيقة، فصوبّ بندقيته بوجه الهدف الاساسي المتمثل بالاحتلال، فكان بذلك قائداً عربياً يحرر أرضه ويساهم في بناء وطنه، مستلهماً تجارب العرب والمسلمين الأوائل وعلى رأسهم القائد الكردي صلاح الدين الأيوبي الذي حرر بيت المقدس اثر الحروب الصليبية منذ ما يزيد على ثمانمائة سنة.
بتحرير الجزائر سنة 1961، أرسى حسين آيت احمد ورفاقه لبنة استقلال الجزائر التي رافقت ثورات الاستقلال في مطالع خمسينيات القرن الماضي تحرراً من مفاعيل الانتداب والاستعمار.
إن الذي يحضر متحف المجاهد في الجزائر العاصمة، الذي يضيء على شخصيات الثورة، يمتلك بكلتا يديه موسوعة غنية عن ذلك الثائر القبائلي الجزائري المسلم المدرك لقيمة حركة الشعوب المتطلعة الى الانعتاق من ربقة الاحتلال، والذي تأثر بالمغفور له عبد الحميد بن باديس مؤسس جمعية العلماء المسلمين، وبشعاره المعبر الذي يقول: << شعب الجزائري مسلم والى العروبة ينتسبُ.
يلتحق حسين آيت أحمد برفيق دربه في مسيرة التحرير الرئيس أحمد بن بلا وبشهداءَ قادةِ كثيرين، بذلوا الدماء رخيصة كرمى لعزة الجزائر وعروبتها ومكانتها ودورها العربي والاسلامي والافريقي والعالمثالثي حيث كان الراحل الكبير ممثلَ الجزائر في مؤتمر عدم الانحياز في باندونغ سنة 1955.
وهكذا فقد أسس لنا الأوائل مشروع نهضة أمةِ، وإذا بها اليوم تتعرض لعملية تزوير تاريخي وتشويه اسطوري على يد جماعات من ابنائها اضاعوا البوصلة وذهبوا في غير اتجاه، الاّ صوب فلسطين السليبة. هذه القامة المديدة على مدى عقود وعقود، كانت كلما تعملقت ازدادت تواضعاً ومحبة للناس وضعفاً امام فقرائهم ومجاهديهم في كل الساحات، فلا عجب أنه كلما التقيتُه في فرنسا يسألني عن احوال لبنان وفلسطين وسوريا.
كما كان هذا الرجل شديد الحساسية تجاه حقوق الانسان /أي انسان/ في أي مكان.
نجاح غير متوقع
وكما جمعتني بالرئيس "بن بلا" علاقة خاصة، لدرجة أنه كان يعتبرني واحداً من عائلته وأهل بيته، فقد حرصت على التعرف على واحد من قادة الثورة الجزائرية المناضل "حسين أيت أحمد"، فكنت أزوره وأتناول وإياه قضايا سياسية متنوعة. كنت أعرف أن بين الرجلين مسافة... وحتى جفاءً لم يصل حدّ القطعية، فلماذا لا ألعب دور الأخ الصغير الذي يجمع أخوته الكبار.
يــا لسخرية القدر كيف تسير الايام... وكيف يدفع القهر في بلادي رجالاً قادوا ثورة ضد المحتل ليصبحوا لاجئين في بلد محتل. لم أبادر لاصلاح ذات البين، إلاّ بعد أن لمست من الرئيس "بن بلا" شيئاً من عدم الممانعة.
"أحمد بن بلا" العربي الجزائري و"حسين أيت أحمد" الأمازيغي الجزائري، قطبا الثورة.. في باريس لا يلتقيان.
لقد وحدتهما الرؤية حول مواجهة الاحتلال، وأبعدتهما عن بعضهما في كيفية معالجة واقع الجزائر بعد الاستقلال.
الرئيس "بن بلا" المهجوس بفكرة العروبة الجامعة كَحلٍ لقضايا الامة ومنها الجزائر، و"حسين أيت احمد" الذي يعتبر أن الديموقراطية هي الحل السحري لمعضلة الجزائر. كان واحدهما يكبرني بثلاثين سنة على الأقل، وكان "امتيازي" عليهما، صغر عمري، واني من مشرق العرب وبعيدٌ عن مشاكل الجزائر. كان علي ان أجلس مع كل واحد منهما على حدة، لأنقل اليه مودة الآخر واحترامه لتاريخه، وأن البعد بينهما في الرؤية لا يحول دون بذل الجهد لتوحيدها، أو على الأقل لإيجاد القواسم المشتركة بينهما.
لم تكن المهمة سهلة. وبالمقابل لم تكن بالاستعصاء الذي لا يمكن تجاوزه. وفي لحظة مناسبة جرى الاتفاق على بيان مشترك تضمّنَ مقدمة سياسية كان لي شرفُ صياغتها، تجمع بين العروبة والديموقراطية كحقيقتين متلازمتين، فيما تولى كل منهما صياغة النص المتعلق بالجزائر /عروبة وديمقراطية/. كانت مناسبة اللقاء غداء مشتركاً في احد مطاعم باريس المعروفة.
لم يكن اللقاء سرياً، وهو لم يكن علنياً أيضاً. وبالصدفة يدخل الى المطعم الصديق العزيز الاستاذ طلال سلمان، والمحامي الدكتور حسن عواضة أطال الله بعمره، ليتفاجأَ وليباركا هذا الحدث الذي يفرح قلوب الجزائريين والعرب، فيلتفتُ إليَّ الاستاذ طلال بعد معرفته بمضمون البيان قائلاً: لقد فعلتها يا هاني على طريقتنا العشائرية في البقاع، فأخذ كل طرف حقه دون زيادة أو نقصان، مضيفاً بظرفه المعروف: نتمنى ان لا تكون مساهمة الدكتور هاني تدخلاً في الشؤون الجزائرية.
لقد أقعد المرض حسين آيت أحمد عن احتفال مَنْحِهِ والمناضل العربي معن بشور واخرين ارفع وسام في الجزائر، لكن حضوره المعنوي كان طاغياً ومؤثراً.
تغيب القامات ويبقى ظلها حاضراً، وتغيب الاجساد فـتـنزرع أوتاداً في باطن الارض، وحين تغيب الأيادي تبقى بصماتها على جبين الأمة.
(المحامي هاني سليمان)