نشرت مجلة "فورين أفيرز" (Foreign Affairs) مقالا عن الذكاء الاصطناعي، ودوره في "تشويه" صناعة القرار، والتنافس بين
الصين والولايات المتحدة في هذا المجال.
وجاء في المقال أن النقاشات والحوارات داخل الدوائر السياسية حول الذكاء الاصطناعي تضع دوما الصين في سباق مع
الولايات المتحدة على التفوق التكنولوجي.
وإذا كان المصدر الرئيس الذي يعتمد عليه ذلك الذكاء هو البيانات، فإن الصين بتعداد مواطنيها الذي يتجاوز مليار نسمة، وتساهلها إزاء معايير الجودة العالية؛ يبدو أنه مقدّر لها الفوز في ذلك السباق، وفق تعبير المقال الذي شارك في كتابته 3 من الأكاديميين البارزين في الولايات المتحدة.
النفط الجديد
والأكاديميون هم: هنري فاريل أستاذ الشؤون الدولية بجامعة جونز هوبكنز، وأبراهام نيومان أستاذ نظم الحكم بجامعة جورجتاون، وجيرمي والاس أستاذ نظم الحكم بجامعة كورنيل. وينقل هؤلاء الأساتذة الجامعيون عن عالم الكمبيوتر الشهير كاي فو لي القول إن البيانات هي النفط الجديد، وهي للصين بمنزلة "أوبك" أخرى.
فإذا كانت التكنولوجيا الفائقة هي التي ترجح الكفة في مثل هذا التنافس، فإن الولايات المتحدة بما تملكه من نظام جامعي عالمي وقوى عاملة ماهرة لا تزال لديها فرصة للتفوق على نظيرتها الصين.
ويفترض الخبراء أن الغلبة في مجال الذكاء الاصطناعي ستؤدي بطبيعة الحال إلى تفوق إحدى الدولتين على الأخرى اقتصاديا وعسكريا بشكل أوسع.
لكن التفكير في الذكاء الاصطناعي من منظور التنافس على الهيمنة يغفل الطرق الأكثر جوهرية التي يتبعها الذكاء الاصطناعي لإحداث التحول في السياسة الدولية، فالذكاء الاصطناعي لن يغير طبيعة التنافس بين القوى بقدر ما سيغير المتنافسين أنفسهم، كما يعتقد كُتّاب المقال.
ويقارن المقال بين الولايات المتحدة التي تنتهج
الديمقراطية نظاما للحكم، والصين التي تتبنّى نظاما "استبدادي" الطابع، ويشكل التعلم الآلي (بمعنى قدرة الآلة على التعلم) تحديا للنظامين السياسيين كل بطريقته الخاصة.
ولعل التحديات التي تواجه الأنظمة الديمقراطية -مثل الولايات المتحدة- واضحة تماما، وقد يفاقم التعلم الآلي من ظاهرة الاستقطاب من خلال إعادة هندسة عالم الإنترنت لتكريس الانقسام السياسي.
ووفق مقال "فورين أفيرز"، تستخدم شركتا "غوغل" و"
فيسبوك" التعلم الآلي كمحرك تحليلي لنظام التصحيح الذاتي، يقوم باستمرار بتحديث فهمه للبيانات اعتمادا على تنبؤاته إذا كانت ستنجح أو ستفشل. هذه الحلقة بين التحليل الإحصائي وردود الفعل من البيئة هي التي جعلت التعلم الآلي قوة هائلة.
ولدى الحكام الطغاة، فإن تقنية التعلم الآلي تمكنهم من معرفة إذا كان رعاياهم يحبون ما يفعلونه من دون حاجة إلى استطلاعات الرأي أو التعرض لمخاطر سياسية تتسبب فيها الحوارات والمناظرات المفتوحة والانتخابات.
ولهذا السبب -كما يرى الأكاديميون الثلاثة في مقالهم- انتاب العديد من المراقبين القلق من أن التقدم في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لن يؤدي إلا إلى تقوية يد الطغاة وتمكينهم من السيطرة على مجتمعاتهم.
وعلى عكس الاعتقاد السائد، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقوّض الأنظمة الاستبدادية بشكل خطير؛ من خلال تعزيز أيديولوجياتهم وأوهامهم على حساب فهم أدق للعالم الحقيقي.
ويمضي المقال إلى أن الحكام الطغاة استخدموا المقاييس الكمية كبديل صارم وغير كامل لمعرفة ردود فعل الجمهور. فالصين -مثلا- حاولت على مدى عقود الجمع بين اقتصاد السوق اللامركزي والإشراف السياسي المركزي على عدد قليل من الإحصاءات المهمة، لا سيما الناتج المحلي الإجمالي.
ويزعم المقال أن المسؤولين الصينيين تلاعبوا في كثير من الأحيان بالإحصاءات، أو انتهجوا سياسات زادت من معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي على المدى القصير مع ترك المشاكل طويلة الأجل لمن سيخلفونهم في المناصب؛ وليس أدلّ على ذلك من استجابة الصين الأولية لجائحة
فيروس كورونا المستجد "كوفيد-19".
إن السؤال الأكثر إلحاحا ليس إذا كانت الولايات المتحدة أو الصين ستفوز أو تخسر في السباق على هيمنة الذكاء الاصطناعي، بل في الكيفية التي سيغير بها عمليات استقاء ردود الفعل المختلفة التي تعتمد عليها الديمقراطيات والأنظمة الاستبدادية لحكم مجتمعاتها.
وقد يتحول الاستبداد المتكئ على "البيانات المؤتمتة بالكامل" إلى فخ لدول مثل الصين التي تركز السلطة في مجموعة صغيرة معزولة من صانعي القرار.
بالمقابل، تملك الدول الديمقراطية آليات تصحيح عبارة عن أشكال بديلة من ردود فعل المواطنين التي يمكن أن تكون ضابطا لأداء الحكومات إذا خرجت عن المسار الصحيح، وهو ما تفتقر إليه الحكومات الاستبدادية.
إن النظرة الفجة -حسب "فورين أفيرز"- تقوم على أن تقنية الذكاء الاصطناعي سلاح اقتصادي وعسكري، وأن البيانات تخفي في طياتها كثيرا من الحقيقة.