كثيرة هي القضايا التي حظيت برعايتها ومتنوّعة الموضوعات التي تنعم بدعمها: من الطفل إلى المرأة فالبيئة والوطن... يكفي تقصّي نشاطها الاجتماعي والإنساني والتربوي منذ أكثر من 28 عاماً لرسم خارطة لشخصيّة المرأة التي تقف اليوم وراء عدد كبير من أبرز النشاطات التي تنعش الساحة اللبنانية. إنها السيّدة لمى تمّام سلام، عقيلة رئيس مجلس الوزراء، التي خصّت "الجمهورية" بحوار شامل حول مشوار العمر والمهنة.سيّدة لا تتخلّى عن ابتسامتها، تمنحها بسخاء وكأنها بها تضبط فواصل الكلام وإيقاع الحوار مهما تشعّب أو اختلف. بهذه الابتسامة استقبلتنا السيّدة لمى سلام الأسبوع الماضي في دارتها في منطقة المصيطبة لتسمح لنا باستراق نظرة إلى عالم امرأة تلتصق بها صفات عدّة، منها زوجة الرجل الأوّل في الدولة اليوم، والناشطة الإنسانية والاجتماعية، والمربيّة التي تعلّمت وعلّمت وانتسَبت إلى مجلس إدارة مدرسة «لويس فكمان» التي احتفلت أخيراً بعيدها الخمسين في أمسية غنية بحضورها وبرنامجها العالمي من تنظيم شركة Luxury Limited Edition.
حكاية عمري
بالنسبة إلى السيّدة سلام، حكايتها مع هذه المدرسة بالذات هي حكاية عمر. لا تشكّل بالنسبة إليها صرحاً ثقافياً بارزاً وحسب: "فجدرانها حفظت ذكرياتنا. هنا كنّا نلعب وهناك مقاعد الدراسة الأولى. والأصدقاء والمدرّسين وكلّ من أتشارَك معهم ذكرى".
تقول: "لم أكن أتصوّر في صغري أنني سأكبر لأتحدّث عن هذه المدرسة. لا شكّ أنّها مرّت بتحديات كثيرة شأنها في ذلك شأن مختلف المدارس في لبنان التي عانت بسبب الحرب وتبِعاتها، ولكن هذا يؤكّد لي أن هذه المدرسة وبسبب سياستها التعليمية والتربوية استطاعت أن تعطي للأجيال زاداً ثقافياً يمكّنهم من مواجهة الحياة".
وتؤكّد: "لا شكّ أنّ التربية لها الأهمية القصوى في صناعة الشعوب المثقفة والواعية. المدارس، رسمية كانت أو خاصّة، لا تقتصر مهمّتها على التثقيف وإنما تتخطّاها لتشمل التربية وهذا ما يصنع أجيالاً أفضل. المدرسة يجب أن تعطينا الأخلاق والمبادىء والقيم وقوّة الردع لمجابهة الحياة".
وتعترف: "كنت من أوائل الذين درسوا في "لويس فكمان"، وابنتي هي أوّل خرّيجة، أمّها تخرّجت من هذه المدرسة.
وقد عملت فيها 15 عاماً وأنا عضو في مجلس إدارتها منذ أكثر من 20 سنة. لذلك الاحتفال بيوبيلها الذهبي اليوم يكاد يكون مناسبة خاصة أو عائلية بالنسبة إليّ، فالمدرسة تعني لي الكثير. أمضيت فيها عمراً وأشعر وكأنها أحد أبنائي".
بين التربية والتعليم
وعن الانطباع السائد حول أنها مدرسة الطبقة المخملية في لبنان وحسب، تجيب بصراحة ترافقها الابتسامة الجميلة نفسها: "للأسف هناك انطباعات لا تزول بسهولة. عندما تصطبغ مؤسسات أو أشخاص بصبغات معيّنة يكون صعباً تبديد الانطباعات الموجودة، ولكن قد يعود سبب انطلاق هذا الانطباع من عادةٍ كانت موجودة في المدرسة.
فمنذ كنّا تلامذة صغاراً، كانت "لويس فكمان" من أولى المدارس التي كان فيها أشخاص يسكبون الطعام ويقدّمونه للتلاميذ بأنفسهم وهو ما انتقده البعض، ولكن الحقيقة أنّ هذه كانت طريقة لنتعلّم التعاطي باحترام مع الأشخاص الذين سيقدّمون لنا الطعام لاحقاً في الحياة.
كان هناك صرامة كبيرة في هذا الموضوع. الاحترام أولوية، وهو كان مثالاً من يوميّات الحياة التي ستضعنا لاحقاً في مواقف مماثلة، منها زيارة مطعم أو حضور حفل غداء أو عشاء...".
وتؤكّد: "في البداية كنّا قلائل في المدرسة، ولكن الأمور اختلفت اليوم والمجتمع تنوّع واكتشف الجميع أهمية المدارس التي تقدّم مستوى عالياً جداً من التعليم والتربية. واليوم الأشخاص الذين ينتمون إلى طبقات اجتماعية عادية جداً هم الغالبية في المدرسة، وهناك قسم كبير من التلامذة الذين يتعلّمون بمنح دراسية".
وتضيف: "كل شخص منخرط في حقل التعليم في لبنان مدعوّ لأن يعطي أفضل ما عنده وأن يَعي مدى قدرته على التأثير في الجيل القادم. أتمنّى أن تتمتّع كل مدارس لبنان بمستوى تعليمي عال، وأن يكون لكلّ طفل الحقّ في الحصول على تعليم لائق وتربية مدنية ممتازة ويتعلّم حب الوطن".
لدعم القضايا المحقّة
إلى جانب المشوار التربوي، تنشط لمى سلام في دعم قضايا حقوقية لا تحصى، لدرجة يصعب معها تصديق كيف توفّق بين جوانب عملها المتشعّبة والمختلفة. في هذا الإطار تقول: "لكلّ نشاط هدفه. أعلم تماماً أنه لا يمكن إيجاد حلول لكلّ شيء ولكن متى وضعنا هذا الحاجز أمامنا لا نعود نقدِم على أيّ فعل تغيير. الإنسان يجب أن يحاول ويستمرّ بالمحاولة، سواء أكان الهدف إيصال فكرة أو التوعية إزاء موضوع مهم أو طرح مشكلة ملحّة.
مثلاً، في نشاط "موعد في السراي" الذي أطلقته والذي يعاود نشاطه الشهر المقبل، نستقبل شرائح مختلفة من المجتمع اللبناني والجمعيات الناشطة لتطرح قضيّة معيّنة. في الاجتماع نفسه قد لا نتوصّل إلى حلّ ولكن يجب ان نستمرّ بالمحاولة، فلولا هذه الجمعيات والمجتمع المدني لَما كانت أمور كثيرة تمّت في البلد حيث الدولة للأسف غير قادرة على تلبية كل الحاجات".
سيّدة أولى؟
وعمّا إذا كانت تعتبر نفسها اليوم في المنصب النسائي الأوّل في الدولة، كونها زوجة رئيس الوزراء بغياب رئيس للجمهورية وبالتالي غياب السيّدة الأولى، تجيب فوراً: "أنا زوجة تمّام سلام وحسب. وأدعو وأصلّي كل يوم ليصبح لدينا رئيس وسيّدة أولى ليستقيم وضع البلد مجدداً ولتخفّ المسؤولية على تمّام الذي يمرّ بفترة بالغة الصعوبة وشديدة الحساسية".
السلاح الأقوى
وعن موقفها من حراك الشارع اللبناني تقول: "كأيّ مواطن ومواطنة ألتقي مع مطالب الشعب اللبناني المحقة مثل المطالبة بحلٍ لأزمة النفايات وغيرها من الملفات التي تطال الجميع، ولكنني مع المطالب وضد التسبّب بأذى أو شغب أو احتكاك.
كلّ إنسان حرّ في التعبير عن آرائه ولكن بطريقة حضارية وأتمنّى التوصّل إلى الحلّ فما من مشكلة تطال أشخاصاً معيّنين ولا تطال آخرين... وكسيّدة، أدعو كل سيّدة لبنانية إلى فرز النفايات، فالمواطن أيضاً مهما ساء الوضع يستطيع دوماً أن يساهم بدوره في الحل".
أكثر ما تفتخر به لمى سلام هو العلم. "لا شك أنه سلاح المرأة الأكثر قوّة". أما الحسرة فهي "غربة الأولاد. لدينا 5 أولاد، واحد فقط بقيَ في لبنان. هذا ما يحصل في البلدان التي تشهد حروباً ولا تنعم بالاستقرار. وضعنا صعب ومحيطنا كذلك. فرَص العمل تتضاءل وهجرة الشباب تبلغ أقصى مستوياتها. هذا كلّه يُنبىء بتغيّر في البنية الأساسية للمجتمع.
بعد 20 أو 30 عاماً سنصبح مجتمعاً معظمه من كبار السنّ، وبالتالي من سيهتم بهؤلاء ومن هنا ضرورة بيوت المسنّين. في الماضي كان الموضوع تابو، ولكنه يصبح حاجة ملحّة يوماً بعد يوم... لطالما راوَدني هذا الحلم ولن أتخلّى عنه.
أن ينعم المسنّون في لبنان بحياة كريمة. كل إنسان يستحق حياة لائقة لا سيّما المسِنّ عندما يصبح بحاجة إلى من يهتم به. إذا سألتني بم تحلمين؟ أقول بالتأكيد، هذا حلمي".
(رنا اسطيح - الجمهورية)