لو قُيض لأمين عام "حزب الله" السيد حسن نصر الله عدم المشاركة في انتخابات نيابية او بلدية لفعل.
نشأ الحزب على ثقافة تُقدم أولوية القتال مع اسرائيل على أي شأن آخر، ولولا ضرورات حماية مشروعه الجهادي، لما دخل في أتون اللعبة السياسية اللبنانية في التسعينات.
هذا الواقع، أفرز مساحة غير مفهومة لمن يراقب الحزب من بعيد، الى درجة الظن (وسوء الظن أحيانا) بأنه لا يأبه بالشأن العام.
وكأي حزب او جماعة تدخل المعترك السياسي، تخضع الممارسة السياسية لتقديرات وتحالفات قد تصيب أحيانا وتخطئ اخرى.
في المقابل، لم تُظهر غالبية الشعب اللبناني في العقود الاخيرة (الطبقة غير المنتمية لأحزاب او خاضعة لاصطفافات) مؤشرا حقيقا على الرغبة في التغيير، وظلت هذه الشريحة تترنح في حالة ما بين الإحباط والكسل الاجتماعي، باعتبار ان البلد محكوم تاريخيا بتوازنات اقليمية ودولية لا بدفع داخلي.
ثم برزت أخيراً فضيحة النفايات وما واكبها من حراك شعبي غير معهود في لبنان. وهذا الحراك بالمناسبة هو أحد الأسباب الرئيسية التى أفضت الى اجراء الانتخابات البلدية كحل لامتصاص الاحتقان الشعبي الذي انطلق في حالة مراكمة تحتاج الى بعض الوقت لتتبلور حركةً منظمة تمتلك رؤية قادرة على التغيير.
في معرض تعليقه على مسألة الحراك الشعبي يومها، أطلق السيد نصر الله عدة مواقف لافتة غير مسبوقة بهدف جس نبض الشارع ومساعدته في رسم خريطة طريق. طلب نصر الله من القيمين على الحراك تقديم رؤية واضحة لمشروعهم في مكافحة الفساد، وطلب منهم موقفا واضحا من قضية المقاومة.
انطلق "السيد" من قاعدة عقلانية في النقطة الأولى؛ فمن حق الشعب معرفة المسار الذي سيسلكه الحراك باسمه، في ظل التجارب الكثيرة غير المشجعة من حولنا، فما بالك في دولة يُرفع فيها سيف الطائفية والمذهبية عند أدنى خلاف.
أما في مسألة الموقف من المقاومة، فعكست تصريحات السيد هواجس قسم كبير من الطائفة الشيعية الذي بات في مكان ما يرى نفسه مستهدفا لمجرد التزامه بقضية محفورة بعمق في وجدانه وثقافته.
لم تعكس حتى الساعة الانتخابات البلدية تغيراً في المزاج الشعبي لدى القواعد الشيعية، بما في ذلك انتخابات البقاع التي يحكمها العصب العائلي لا الحزبي. ولا يُتوقع أن تشهد انتخابات الجنوب خروقات بارزة.
لم تقدم اللوائح المقابلة لتحالف "حزب الله" – "أمل" برامج او رؤى تستطيع خرق الحلف السياسي القائم، من خلال خطاب يستكمل مشروع المقاومة في الجانب الانمائي الذي تحتاجه البلدات والقرى الشيعية كأي منطقة اخرى في لبنان.
هذا الخطاب الانمائي بات حاجة ملحة مع الانهيار المتواصل لهيكل الدولة و تصاعد الشعور الجمعي بالاستهداف على خلفية الخيارات الاستراتيجية الكبيرة لحزب الله في المنطقة. ولكنه في الوقت نفسه يبدو حاجة مؤجلة مع غياب أطر مدنية تؤمن مظلة لتنمية مجتمع المقاومة من دون أن تعادي خياراته السياسية.