مع مغيب شمس أمس الاثنين، بدأت طلائع شاحنات الإغاثة تدخل بلدة مضاياً في ريف دمشق المحاصرة والتي فقدت عددا كبيراً من أطفالها ورجالها ونسائها جوعاً خلال الشهر الأخير، لكن شبح الموت ظل يحوم فوق المدينة، إذ في الساعات التي سبقت دخول تلك الشاحنات قضى شابان جوعاً.
وبحث مجلس الأمن الدولي أمر البلدات المحاصرة في سوريا بعد ظهور تقارير عن حصار عشرات الآلاف من المدنيين لشهور دون إمدادات وأن البعض يموتون جوعا.
وقال سفير نيوزيلندا لدى الأمم المتحدة جيرارد فان بوهيمن للصحافيين «دعت نيوزيلندا وإسبانيا لاجتماع مجلس الأمن بشأن الوضع في بلدة مضايا السورية عقب تقارير عن موت أناس من الجوع.» وأضاف «أسلوب الحصار والتجويع أحد أبشع معالم الصراع السوري«.
ودخلت شاحنات الإغاثة بشكل متزامن إلى مضايا وبلدتي كفريا والفوعة في ريف إدلب، في إثر ضغط دولي لم يبدأ إلا بعد أشهر من الحصار المحكم، فضمير العالم لا يتحرك إلا حين يتم الكشف عن فضيحة الصمت هذا بصور الضحايا الشبيهة بضحايا معتقلات الأسد المسرّبة من خلال شخص يعرف باسم «قيصر»، وتلك التي أخذت في المعتقلات النازية خلال الحرب العالمية الثانية.
وفي المساء، أعلن الهلال الأحمر العربي السوري اكتمال دخول الشاحنات الى مضايا من جهة وكفريا والفوعة في ريف ادلب من جهة ثانية. وقال في بيان ان «قافلة المساعدات التي دخلت الى مضايا تألفت من 44 شاحنة مساعدات تحوي 7800 سلة غذائية تكفي لـ40,000 شخص ومواد غذائية للأطفال والحوامل ومواد غذائية عالية الطاقة من زبدة الفستق وبسكويت عالي الطاقة ومساعدات طبية وأدوية مختلفة بالإضافة الى 20,000 بطانية».
وتابع البيان ان قافلة المساعدات التي دخلت الى كفريا والفوعة «تألفت من 21 شاحنة مساعدات تحوي 4000 سلة غذائية تكفي لـ20,000 شخص» اضافة الى كمية من نفس المساعدات التي ادخلت الى مضايا.
وكانت مصادر ميدانية تحدثت للموقع الإلكتروني «كلنا شركاء« عن دخول دفعة مبدئية عددها أربع شاحنات إلى بلدة مضايا التركيز فيها على الأدوية وحليب الأطفال، بحيث يتم إدخال المواد الإغاثية إلى كفريا والفوعة بالتزامن أيضاً، وفق الشروط التي اتفق عليها النظام والثوار عبر الأمم المتحدة ومنظمتي الهلال والصليب الأحمر.
وكان من المفترض أن تبدأ قوافل الإغاثة بالدخول إلى المناطق المحاصرة منذ ظهر امس، إلا أن القافلة التي خرجت من مناطق النظام في حماة إلى مدينة إدلب تأخرت بالوصول حتى المساء.
وكان ناشطون من ريفي دمشق وإدلب أشاروا إلى أن عدد الشاحنات التي وصلت إلى مشارف بلدة مضايا الجنوبي بلغ أربعين شاحنة محملة بالمواد الإغاثية والطبية، وسيتم تسليمها للمجالس المحلية والهيئات المدنية بإشراف مباشر من الأمم المتحدة ليتم توزيعها هناك. كما وصلت 21 شاحنة إلى الأطراف الشمالية لمدينة إدلب على مشارف بلدتي كفريا والفوعة المحاصرتين من قبل جيش الفتح في إدلب.
وقال المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الاحمر في سوريا بافل كشيشيك: «دخلنا الى البلدات الثلاث بشكل متزامن»، مضيفا ان عملية افراغ الحمولة ستستمر طيلة الليل.
وأوضح مسؤول في الهلال الاحمر السوري ان «شاحنتين محملتين بالبطانيات واثنتين بالمواد الغذائية دخلتا بلدة مضايا» تزامنا مع تأكيد مصدر سوري ميداني دخول شاحنات مماثلة في الوقت ذاته الى الفوعة وكفريا.
وشددت قوات النظام والمسلحون الموالون لها و»حزب الله» الحصار على مضايا قبل نحو ستة اشهر. وهي واحدة من اربع مناطق سورية مع مدينة الزبداني المجاورة والفوعة وكفريا، تم التوصل الى اتفاق بشأنها في ايلول الماضي بين النظام والفصائل المقاتلة ينص على وقف لاطلاق النار وايصال المساعدات واجلاء الجرحى، ويتم تنفيذه على مراحل عدة.
ودخلت آخر دفعة مساعدات الى مضايا في تشرين الاول الماضي. ويقول المرصد السوري ان قوات النظام كانت تلقي دوريا مساعدات عبر المروحيات الى الاهالي المحاصرين في الفوعة وكفريا، فيما لم يكن سكان مضايا يتلقون أي مساعدات. وقال سكان في مضايا في اتصالات هاتفية الاسبوع الماضي انه لم يعد هناك ما يأكلونه وانهم يقتاتون على الاعشاب والماء والملح وجذوع الشجر.
وابدت الامم المتحدة خشيتها على مصير المحاصرين في مضايا، وافادت عن «تقارير موثوقة بأن الناس يموتون من الجوع ويتعرضون للقتل اثناء محاولتهم مغادرة مضايا».
واحصت منظمة اطباء بلا حدود وفاة 28 شخصا على الاقل بسبب الجوع في البلدة المحاصرة منذ الاول من كانون الاول الماضي.
وبحسب المرصد السوري قتل 13 شخصا على الاقل من جراء الغام زرعتها قوات النظام والمسلحون الموالون لها أو رصاص قناصة أثناء محاولاتهم تأمين الغذاء أو جمع اعشاب عند أطراف المدينة.
لكن هناك من لم يقو جسده النحيل على الانتظار، إذ توفي دياب عبدالرحمن جوعاً (45 عاماً) قبل ساعتين من وصول المساعدات وأظهرت صور جثمانه التي نشرها موقع «زمان الوصل» وقد بدت عليه علائم الهزال الشديد والضمور المرعب، إلى درجة جعلت البطن غائرا وعظام القفص الصدري بارزة لا يغطيها سوى جلد رقيق.
وكان المهندس الشاب مصطفى أحمد زين الرفاعي توفي في وقت متأخر من ليل الأحد، بسبب عدم توفر الغذاء. وأظهر مقطع مصور قصير الرفاعي وهو جثة هامدة يعتريها الشحوب والهزال من ضنك الجوع، بينما كانت والدته ترثيه بكلمات يقطعها النحيب مرددة: «ياعمري، ياعمري«.
ونزح الرفاعي مع الكثير من أهالي الزبداني نحو مضايا قبل أن تحاصرها مليشيا «حزب الله» وتقطع عنها أي إمدادات غذائية، ما تسبب بكارثة أعادت الصورة الكالحة لجرائم إبادة بالتجويع شهدتها مناطق مختلفة مثل: مخيم تل الزعتر، مخيم صبرا وشاتيلا، مخيم اليرموك.
وفي المواقف، قال وزير الخارجية الاميركي جون كيري في تصريح ادلى به والى جانبه العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني في مستهل زيارته الى واشنطن، «نحتاج الى السماح الكامل بدخول (المساعدات) وهذا ما اتفقنا عليه في اجتماع مجموعة اصدقاء سوريا في نيويورك وفي مجلس الامن الدولي، ونحن نرفع المسألة الى جميع الاطراف في الوقت الحالي«. وأضاف كيري «نحن نضغط في الوقت الحالي(..) ويجب ان يحدث ذلك».
وقال السفير البريطاني لدى الامم المتحدة ماثيو رايكروفت «ان تجويع المدنيين تكتيك غير انساني يستخدمه نظام (بشار) الاسد وحلفاؤه». واضاف في بيان «كل عمليات الحصار يجب ان ترفع لانقاذ ارواح مدنية ودفع سوريا بشكل اقرب الى السلام».
وأكد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية أن نظام الأسد بمجرد إعلانه السماح بدخول المساعدات الإنسانية لمدينة مضايا بريف دمشق، فقد اعترف بمسؤوليته عن حصار المدنيين وتجويع أهلها حتى الموت.
وفي لقاء بين أعضاء الهيئة السياسية في الائتلاف وممثلي أصدقاء الشعب السوري، صباح امس، دان الجميع حصار مدينة مضايا وكافة المناطق المحاصرة الأخرى في سوريا.
(أ ف ب، رويترز، كلنا شركاء، زمان الوصل، الائتلاف)