بعد يومين من المناقشات وجلسات العمل المتواصلة، أصدر المؤتمر الدولي «الحرية والمواطنة.. التنوع والتكامل» الذي نظمه الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين بحضور 200 شخصية من 60 دولة «إعلان الأزهر للمواطنة والعيش المشترك» أول من أمس.
وأكد «إعلان الأزهر» الذي تلاه الإمام الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، أن «مصطلح «المواطنة» هو مصطلح أصيل في الإسلام، وقد شعَت أنواره الأولى من دستور المدينة وما تلاه من كتب وعهودٍ لنبيِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يحدد فيها علاقةَ المسلمين بغير المسلمين، ويُبادر الإعلان إلى تأكيد أن المواطنة ليست حلًّا مستورداً، وإنما هو استدعاء لأوَل ممارسة إسلاميَة لنظام الحكم طبقه النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وفي أول مجتمع إسلامي أسسه، هو دولة المدينة».
واعتبر أن «هذه الممارسة لم تتضمَن أيَ قدر من التفرقة أو الإقصاء لأي فئة من فئات المجتمع آنذاك، وإنما تضمنت سياسات تقوم على التعدديَة الدينية والعرقية والاجتماعية، وهي تعددية لا يمكن أن تعمل إلا في إطار المواطنة الكاملة والمساواة، التي تمثلت بالنص في دستور المدينة على أن الفئات الاجتماعية المختلفة ديناً وعرقاً هم «أمة واحدة من دون الناس»، وأن غير المسلمين لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين».
أضاف: «ولأن هذه الثوابت والقيم والأعراف السمحة تعرضت، ولا تزال تتعرض، لتحديات داخلية وخارجية، فإن الأزهر ومجلس حكماء المسلمين ومسيحيِي الشرق يلتقون اليوم من جديد على الإيمان بالمساواة بين المسلمين والمسيحيين في الأوطان والحقوق والواجبات، باعتبارهم «أُمة واحدة؛ للمسلمين دينهم، وللمسيحيين دينهم»، اقتداء بما نصَّ عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم في دستور المدينة. وعليه فإنَّ المسؤوليات الوطنية مسؤوليات مشتركة بين الجميع».
ورأى أن «تبني مفاهيم المواطنة والمساواة والحقوق يستلزم بالضرورة إدانةَ التصرفات التي تتعارَض ومبدأ المواطنة، من ممارسات لا تقرها شريعة الإسلام، وتنبني على أساس التمييز بين المسلم وغير المسلم، وتترتب عليها ممارسات الازدراء والتهميش والكيل بمِكيالين، فضلًا عن الملاحقة والتضييق والتهجير والقتل، وما إلى ذلك من سلوكيات يرفضها الإسلام، وتَأباها كل الأديان والأعراف».
وقال: «كما أن تجاهل مفهوم المواطنة ومقتضياته يشجع على الحديث عن الأقليات وحقوقها. ومن هذا المنطلق يتمنى الإعلان على المثقفين والمفكرين أن يتنبهوا لخطورة المضيِ في استخدام مصطلح الأقليات، الذي يحمل في طياته معاني التمييز والانفصال بداعي تأكيد الحقوق، وقد شهدنا في السنوات الأخيرة ُعود مصطلح الأقليات من جديد، والذي كنا نظن أنه ولى بتولي عهود الاستعمار، إلا أنه عاد استخدامُه أخيراً للتفرقة بين المسلمين والمسيحيين، بل بين المسلمين أنفسهم؛ لأنه يُؤدي إلى تَوزع الولاءات والتركيز على التبعية لمشروعات خارجية».
أضاف: «نظراً لما استشرى في العقود الأخيرة من ظواهر التطرف والعنف والإرهاب التي يتمسح القائمون بها بالدين، وما يتعرض له أبناء الديانات والثقافات الأخرى في مجتمعاتنا من ضغوط وتخويف وتهجير وملاحقات واختطاف، فإن المجتمعين من المسيحيين والمسلمين في مؤتمر الأزهر يعلنون أن الأديان كلها براء من الإرهاب بشتى صوره، وهم يدينونه أشد الإدانة ويستنكرونه أشد الاستنكار».
وطالب «مَن يربطون الإسلام وغيره من الأديان بالإرهاب بالتوقف فوراً عن هذا الاتهام الذي استقر في أذهان الكثيرين بسبب هذه الأخطاء والدعاوى المقصودة وغير المقصودة».
وقال: «ويرى المجتمعون أن محاكمة الإسلام بسبب التصرفات الإجرامية لبعض المنتسبين إليه يفتح الباب على مصراعيه لوصف الأديان كلها بصفة الإرهاب؛ مما يبرر لغلاة الحداثيين مقولتهم في ضرورة التخلص من الأديان بذريعة استقرار المجتمعات».
أضاف: «إننا اليوم مدعوون جميعاً بحكم الانتماء الواحد والمصير الواحد إلى التضامن والتعاون لحماية وجودنا الإنساني والاجتماعي والديني والسياسي، فالمظالم مشتركة، والمصالح مشتركة، وهي تقتضي عملاً مشتركاً نقر جميعاً بضرورته، ولا بد من تحول هذا الشعور إلى ترجمة عملية في شتى مجالات الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية والوطنية».
وتابع: «لقد بذلنا جميعاً، مؤسسات وأفراداً، في السنوات الأخيرة جهوداً للمراجعة والتصحيح والتأهيل والتأصيل. ونحن، مسلمون ومسيحيون، محتاجون للمزيد من المراجعات من أجل التجديد والتطوير في ثقافتنا وممارسات مؤسساتنا».
وقال: «وقد كان من ضمن المراجعات توثيق التواصل بين المؤسسات الدينية في العالم العربي وفي العالم الأوسع؛ فقد أقمنا علاقات مع حاضرة الفاتيكان، وأسقفية كانتربري، ومجلس الكنائس العالمي، وغيرها. وإننا لنتطلع إلى إقامة المزيد من صلات التعاون بين سائر المؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية في العالم العربي؛ من أجل العمل معاً في مجالات الإرشاد والتربية الدينية والأخلاقية، والتنشئة على المواطنة، وتطوير علاقات التفاهم مع المؤسسات الدينية العربية والعالمية؛ ترسيخاً للحوار الإسلامي المسيحي وحوار الحضارات».
وأكد «أنّ طموح الأزهر ومجلس حكماء المسلمين من وراء هذا المؤتمر هو التأسيس لشراكة متجددة أو عقد مستأنف بين المواطنين العرب كافة، مسلمين ومسيحيين وغيرهم من ذوي الانتماءات الأُخرى، يقوم على التفاهم والاعتراف المتبادل والمواطنة والحرية، وما نذهب إليه في هذا الشأن ليس خياراً حسناً فقط؛ بل هو ضرورة حياة وتطور لمجتمعاتنا ودوَلنا وإنساننا وأجيالنا».
وقال: «ونحن أهل سفينة واحدة ومجتمع واحد نواجه مخاطر مشتركة تهددنا في حياتنا ومجتمعاتنا ودولنا وأدياننا كافة ونريد بالإرادة المشتركة والانتماء المشترك وبالمصير المشترك، أن نسهم معاً عن طريق العمل الجاد في إنقاذ مجتمعاتنا ودولنا وتصحيح علاقاتنا بالعالم، حتى نوفر لأبنائنا فرصاً في مستقبل واعد وحياة أفضل».
وختم بالتأكيد على أن «المجتمعين مسلمين ومسيحيين يجددون عهود أخوتهم ورفضهم أية مداولات من شأنها التفرقة بينهم وإظهار أن المسيحيين مستهدفون في أوطانهم، ويؤكدون أنه مهما فعل، ويفعل، الإرهاب بيننا في محاولة للإساءة الى تجربتنا المشتركة، واستهداف مقومات الحياة في مجتمعاتنا لن ينال من عزيمتنا على مواصلة العيش الواحد وتطويره وتأكيد المواطنة فكراً وممارسة».
(«المستقبل»)